قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٧١ - الفصل السادس و العشرون فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة
يعدون أن الرياء ترك العمل لأجل الناس فأما العمل لأجلهم فشرك، و قد قيل: لا تعمل للرياء و لا تترك العمل للحياء. فالحياء من الخلق شرك كما إن الحياء من الخالق إيمان. و أيضا لو أنه أطاع العدوّ في ترك العمل لأجل الناس أطاعه مرة أخرى في العمل لأجلهم، و مثل هذا كمثل من كان يصوم و يصلي يومه أجمع في منزله لا يعلم به مخلوق فلو نوى الاعتكاف ليضمه إلى صومه خرج إلى المسجد فكان يصلّي مقيما فيه فظهر الناس على عمله فلم يكن ليدع ما نواه من العكوف في المسجد لأجل نظرهم إليه و لم يضره ظهور عمله لثباته على نيته و لمزيد من الاعتكاف إذا كان عالما متمكنا. و أيضا فان الإمام المتمكن المقتدى به لا يضره ظهور الناس على أعماله إذا لم يقصد ذلك و لم يحب مدحهم و ربما كان له أجر. إن في ذلك لتنبيه الغافلين عن الذكر و تشويق العاملين إلى البر كيف و عند بعض العلماء أن سجود القرآن فرض و أن على من سمع آية سجدة أو تلاها و كان على غير وضوء أن يسجد لها إذا توضأ. و نحو هذه المعاني ما هو حال للعبد و أولى به من حال غيره ما رواه أبو نصر التمار أن رجلا جاء يودع بشر بن الحرث قال: قد عزمت على الحج أ فتأمرني بشيء؟ فقال له بشر: كم أعددت للنفقة؟ قال: ألفي درهم قال: فأي شيء تبتغي بحجك نزهة أو اشتياقا إلى البيت أو ابتغاء مرضاة الله عزّ و جلّ. قال: ابتغاء مرضاة الله عزّ و جلّ قال: فإن أصبت رضا الله و أنت في منزلك و تنفق ألفي درهم و تكون على يقين من مرضاة الله عزّ و جلّ أ تفعل ذلك؟ قال نعم: قال: اذهب فأعطها عشرة أنفس، مدين يقضي بها دينه، و فقير يرم شعثه، و معيل يحيي عياله، و مربي يتيم يفرحه، و إن قوى قلبك أن تعطيها لواحد فافعل. فإن إدخالك السرور على قلب امرئ مسلم و تغيث لهفان و تكشف ضر محتاج و تعين رجلا ضعيف اليقين أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام قم فأخرجها كما أمرناك و إلا فقل لنا ما في قلبك فقال: يا أبا نصر سفري أقوى في قلبي فتبسم بشر و أقبل عليه. و قال له: المال إذا جمع من وسخ التجارات و الشبهات اقتضت النفس إلى أن تقضي به وطرا و يشرع إليه فظاهرت أعمال الصالحات و قد آلى على نفسه أن لا يقبل إلا عمل المتقين. و في نحوه قيل لبشر أيضا إن فلانا الغني كثير الصوم و الصلاة فقال: المسكين ترك حاله و دخل في حال غيره إنما حال هذا إطعام الطعام للجياع و الإنفاق على المساكين فهذا أفضل له من تجويعه نفسه و من صلاته لنفسه مع جمعه للدّنيا و منعه للفقراء. و قد يكون اختفاء الأوجب من الفرائض و التباسه بالفضائل محنة من الله عزّ و جلّ لعباده و حكمة له فيهم فيرتكبون التأويل للسعة و يتركون الضيق لخفائه عليهم لينفذ فيهم العلم و يجري عليهم الحكم و يكون ذلك تأديبا لهم و تعريفا و مزيدا في التسليم و توفيقا.