قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٨٧ - ذكر المقام الثاني من المراقبة
[القمر: ٤٧، ٤٨، ٤٩] هم المجرمون الذين أضلوا أتباعهم و هم الغاوون الذين كبكبوا في النار مع أشياعهم و قد أحكم الله تعالى تفضيل ما ذكرناه آنفا في خمس آيات محكمات تنظم جمل معاني ما ذكرناه تركنا شرح ذلك و بسطه خشية الإطالة لأنا لم نقصد الاحتجاج في الاستدلال من ذلك قوله تعالى: وَ الله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ [النحل: ٧١] يعني: فضل الموالي على العبيد فما الذين فضلوا يعني الموالي برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أ فبنعمة الله يجحدون. و الآية الثانية قوله تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا من أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ من ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ [الروم: ٢٨] أي: فكذلك أنا لا شريك لي من عبيدي فلا تجعلوا لي ما لم أجعل أحد لا خلقي و لا عبيدي عليكم إذ لم أسوّ بينكم و بين عبيدكم فلا تشركوا عبيدي في حكمي، و الثالثة قوله تعالى: ضَرَبَ الله مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ [النحل: ٧٥] يعني: الإنفاق. و من رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه فجعلهما على وصفين أحدهما بخيل لم يقدره على الإنفاق ثم ذم بالبخل و العجز و هو الذي أعجزه و منعه و جعل الآخر جوادا إذا قدره و أعطاه الإنفاق ثم مدحه بالجود. و قال في الآية الرابعة: وَ ضَرَبَ الله مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ [النحل: ٧٦] هو الحكمة و العلم ثم قال: هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ من يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ [النحل: ٧٦] فجعل له عبدين: أحدهما سفيه جاهل أبكم عن الحكمة و لم يقدره على علم و لم يعطه استقامة ثم ذمه بوصفه و مقته لمنعه و جعل الآخر آمرا بالعدل عن أمره مستقيما على صراطه المستقيم الذي هو عليه و هو أقامه كما قال: هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ فهل يسلك أحد طريقه إلا به و هل يجوز عبد على سبيله إلا بحوله ثم مدحه بإعطائه إياه و وصفه بوصفه ثم علم سبحانه أن للعقل في هذا تشبيها و تمثيلا بخلقه و تجويزا و تظليما من خالقه على قياس العقول، إن من فعل بعبدين له مثل هذا ثم مدح أحدهما و هو أعطاه و أقدره و ذم الآخر و هو الذي منعه و أعجزه أنه قد ظلمه فحسم ذلك عزّ و جلّ بنهيه و أحكم النهي عن التمثيل به في الآية الخامسة الفاصلة القاضية التي نهانا فيها أن نضرب له بنا الأمثال مثل ما أجرى علينا من الأفعال. فقال سبحانه و تعالى: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ الله يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل: ٧٤] فوكد ذلك بتحقيق علمه و غاية جهلنا ثم أيد هذا بقوله سبحانه: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ فسلم الراسخون في العلم الأحكام كلها للحاكم فسلموا من عذابه و آمن المؤمنون بجميع الأقدار