قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٠٨ - الفصل الثامن عشر فيه كتاب ذكر الوصف المكروه من نعت الغافلين
الفصل الثامن عشر فيه كتاب ذكر الوصف المكروه من نعت الغافلين فإذا خالف التالي هذا الوصف الذي شرحناه أو كان على ضد ذلك من السهو و الغفلة و العمى و الحيرة محدثا لنفسه مصغيا إلى هواه و وسوسة عدوّه متوهما للظنون عاكفا على الأماني حقت عليه أن يكون بمعاني ما قال الله عزّ و جلّ: وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ [البقرة: ٧٨] يعني إلا تلاوة القرآن لا غير و إن هم إلا يظنون فوصفهم بالظن و هو ضد اليقين. كما أخبر عن الظانين في قولهم: إن نظن إلا ظنّا و ما نحن بمستيقنين و بمعنى ما قال: وَ كَأَيِّنْ من آيَةٍ في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَ هُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ [يوسف: ١٠٥]. فالقرآن من أجل آيات الأرضين و السموات الدالة على فاطرهما و منزله. و كان يوصف من يهدده بعلمه فيه عند استماعه لكلامه العزيز متهاونا به مناجيا لغيره أن يقول تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ به إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَ إِذْ هُمْ نَجْوى [الإسراء: ٤٧]. و بمثل من يسمع و قلبه مشغول عن المسموع بما يضره عما ينفعه حتى إذا خرج عن الكلام سأل من حضر بقلبه ما ذا فهم من الخطاب الذي كان هو عنه بغفلته قد غاب و قد كان حاضرا بجسمه حجة عليه فمن ذلك قوله عزّ و جلّ: وَ مِنْهُمْ من يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا من عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً [محمد: ١٦]. قال الله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ الله عَلى قُلُوبِهِمْ [محمد: ١٦] أي عن فقه الخطاب فلم تسمعه القلوب و لم تعه و اتبعوا أهواءهم يعني أباطيلهم و ظنونهم الكاذبة. و يقال: إن العبد إذا تلا القرآن و استقام نظر الله إليه برحمته فإذا قرأ القرآن و خلط ناداه الله عزّ و جلّ ما لك و لكلامي و أنت معرض عني دع عنك كلامي إن لم تتب إليّ. و روينا في الإسرائيليات أوحى الله عزّ و جلّ إلى نبيه موسى و داود عليهما السلام مر عصاة بني إسرائيل أن لا يذكروني فإني آليت على نفسي أن أذكر من ذكرني و إني أذكرهم بلعنة و كان بوصف من أخبر عنه إذ يقول تعالى: فَخَلَفَ من بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا