قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٠٩ - الفصل الثامن عشر فيه كتاب ذكر الوصف المكروه من نعت الغافلين
[الأعراف: ١٦٩] الآية. و هذا وصفهم الظن الكاذب و الرجاء المختلف اللذان لم يفترقا إلى خوف و إشفاق عصوا خالقهم عاجلا و تمنوا عليه المغفرة آجلا جهلا منهم بحكمته و إعراضا عن أحكامه. قال الله عزّ و جلّ: أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى الله إِلَّا الْحَقَّ وَ دَرَسُوا ما فِيهِ [الأعراف: ١٦٩]. ثم أخبر عن علمهم بذلك علم قول و خبر لا علم يقين و معاينة. قال سبحانه: وَ دَرَسُوا ما فِيهِ [الأعراف: ١٦٩] أي قرءوا هذا و علموه و لم يعملوا به فلم ينتفعوا بشيء منه، فكان هذا توبيخا لهم و تقريعا كقوله تعالى: قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ به إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٩٣] و فيها وجه غريب و درسوا ما فيه أي محوه بترك العمل به و الفهم له من قولك: درست الريح الآثار إذا محتها و خط دارس و ربع دارس إذا محي و عفي أثره و هذا المعنى مواطئ لقوله تعالى: نَبَذَ فَرِيقٌ من الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ الله وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٠١] و اتبعوا ما تتلو الشياطين أي ما تتبع و تهوى و مواطئ لقوله تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا به ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ [آل عمران: ١٨٧] فسمي ترك العمل منهم به في كل حالة طرحا له و إلقاء و نفيا له و بيعا له و بالدنيا اشتراء و كل آية في التهديد و الوعيد فللخائفين منها وعظ و تخويف و للغافلين عنها وصف و تعريف علمه من علمه كقوله تعالى في ذكر النار: ذلِكَ يُخَوِّفُ الله به عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ [الزمر: ١٦]. و قال في خبرها أعدت للكافرين. و قال بعض السلف: إن العبد ليفتتح سورة فتصلّي عليه الملائكة حتى يفرغ منها و إن العبد ليفتتح سورة فتلعنه حتى يفرغ منها. فقيل: و كيف ذلك؟ قال إذا أحل حلالها و حرم حرامها صلت عليه و إلا لعنته. و قال بعض العلماء: إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه و هو لا يعلم يقول ألا لعنة الله على الظالمين و هو ظالم ألا لعنة الله على الكاذبين و هو منهم. و قال سفيان في قوله تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف: ١٤٦]. قال: أصرف عنهم فهم القرآن. و في الخبر عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم إذا عظمت أمتي الدنيا و الدرهم نزع منها هيبة الإسلام و إذا تركوا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حرموا بركة الوحي. قال الفضيل: حرموا فهم القرآن و في الأخبار من ذم قراءة البطالين أكثر من أن تذكر. فمنها ما روي عن النبي صلّى الله عليه و سلّم أنه قال أكثر منافقي أمتي قراؤها. و كان الحسن يقول: إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل و جعلتم الليل جملا فأنتم تركبونه فتقطعون به مراحله و إن من كان قبلكم رأوه رسائل أتتهم من ربّهم فكانوا يتدبرونها بالليل و ينفذونها بالنهار. و كان ابن مسعود من قبله يقول أنزل عليهم القرآن ليعملوا به فاتخذوا