قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١١٠ - الفصل الثامن عشر فيه كتاب ذكر الوصف المكروه من نعت الغافلين
دراسته عملا إن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا و قد أسقط العمل به. و في حديث ابن عمر و حديث جندب لقد عشنا برهة من دهرنا و أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن فتنزل السورة على محمد صلّى الله عليه و سلّم فنتعلم حلالها و حرامها و أمرها و زجرها و ما ينبغي أن يقف عليه منها كما تعلمون أنتم القرآن. ثم بعد لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته لا يدري ما أمره و لا زجره و لا ما ينبغي أن يقف عنده منه فينثره نثر الدقل و هذا كما قال لأن المراد و المقصود بالقرآن الائتمار لأوامره و الانتهاء عن زواجره إذ حفظ حدوده مفترض و مسئول عنه العبد و معاقب عليه و ليس حفظ حروفه فريضة و لا عقاب على العبد إذا لم يحفظ ما وسعه منه قال الله عزّ و جلّ: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: ٥] أي العمل به ثقيل و إلا فقد يسره للذكرى. و من ذلك الخبر المأثور عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم و لانت له جلودكم فإذا اختلفتم فلستم تقرءونه و في بعضها فإذا اختلفتم فقوموا عنه. و حدثني شيخ فاضل قرأت عليه القرآن قال: قرأت القرآن على شيخ لي فلما ختمت رجعت إليه لأقرأ فانتهرني و قال: جعلت القرآن عليّ عملا اذهب فاقرأ على الله عزّ و جلّ فانظر ما ذا يسمعك منه و يفهمك عنه و قد كان من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و سلّم من لا يحفظ إلا الجزء و الجزءين و السور المعدودة و سورتين و كان من يحفظ الحزب منه و هو السبع أو البقرة و الأنعام علما فيهم. و قبض رسول الله صلّى الله عليه و سلّم عن عشرين ألف صحابي لم يقرءوا القرآن غير نظر فلم يحفظ القرآن كله منهم إلا ستة اختلف منهم في اثنين. و قال بعضهم: و لم يكن جمعه من الخلفاء الأربعة أحد. و ختم ابن عباس على أبي بن كعب و قرأ عبد الرحمن ابن عوف على ابن عباس و قرأ عثمان بن عفان على زيد بن ثابت و قرأ أهل الصفة على أبي هريرة. و كلهم كان متبعا لأوامره مجتنبا لزواجره عالما به فقيها فيه. و قال يوسف بن أسباط: و قد قيل له إذا ختمت القرآن بأي شيء تدعو؟ فقال بأي شيء أدعو استغفر الله عزّ و جلّ مائة مرة من تلاوتي. و كان يقول: إني لأهم بقراءة القرآن فإذا ذكرت ما فيه خشيت المقت فأعدل إلى التسبيح و الاستغفار و اعلم أن للعبد في قراءة القرآن بحسب ما له من تعظيمه و الفهم له و المشاهدة منه و المعاملة به لأنه من أكبر شعائر الله في خلقه و أعظم آياته في أرضه الدالات عليه و أسبغ نعمه الكاملة علينا و للعبد من التعظيم له بقدر تقواه، و له من فهم الخطاب و تعظيم الكلام على نحو ما أعطي من معرفة المتكلم و هيبته و إجلاله فإذا عظم المتكلم في قلبه و كبر في فهمه أنعم تدبر كلامه و أطال الفكر في خطابه و أكثر