قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٨٧ - ذكر أحزاب القرآن و كيف حزبه الصحابة رضي الله عنهم
و صفاء يقين و قوة علم و تمكين سمع فصل الخطاب و شهد علم غيب الجواب و أفضل القراءة الترتيل لأنه يجمع الأمر و الندب و فيه التدبر و التذكر. روي عن علي رضي الله عنه لا خير في عبادة لا فقه فيها و لا في قراءة لا تدبر فيها. و عن ابن عباس لأن أقرأ البقرة و آل عمران أرتلهما و أتدبرهما أحب إليّ من أن أقرأ القرآن كله هذرمة. و روي عنه أيضا لأن اقرأ إذا زلزلت و القارعة أتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ البقرة و آل عمران تهذرا. و سئل مجاهد عن رجلين دخلا في صلاة فكان قيامهما واحد إلّا أن أحدهما قرأ البقرة و الآخر قرأ القرآن كله فقال هما في الأجر سواء لأن قيامهما كان واحدا و أفضل الترتيل و التدبر في القرآن ما كان في صلاة و يقال إن التفكر في الصلاة أفضل منه في غير الصلاة لأنهما عملان و هذا هو التفكر في معاني التدبر و الفهم بخطاب الوعد و الوعيد و الزجر و الأمر تعظيما للمتوعد و إجلالا للآمر. و سئل النبي صلّى الله عليه و سلّم أي الصلاة أفضل؟ فقال: طول القنوت. و روي في خبر آخر من سجد للَّه عزّ و جلّ سجدة رفعه الله عزّ و جلّ بها درجة و أنه قال لأبي فاطمة خادمه و قد سأله مرافقته في الجنة فقال أعني بكثرة السجود. و روينا عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه قال إنه كثرة السجود بالنهار و إنه طول القيام بالليل و يقال إن العبد يحشر عند الموت من قبره على هيئته في صلاته من السكون و الطمأنينة و تكون راحته في الموقف على قدر راحته و تنعمه بالصلاة. و روينا معنى هذا عن أبي هريرة و على هذا المعنى تأويل قول رسول الله صلّى الله عليه و سلّم لبلال: أرحنا بالصلاة أي روحنا إليها نعمنا بها من الروح و الراحة إليها و يقال أرحنا بالشيء أي روحنا و أرحنا منه أي أسقطه عنا و خفف عنا منه و لم يقل أرحنا منها كيف و قرة عينه فيها. و قال بعضهم: إني لأفتتح السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر و ما قضيت منها وطري. و قال سليمان بن أبي سليمان الداراني إنه وعد ابن ثوبان أخا له أن يفطر عنده فأبطأ عليه حتى طلع الفجر فلقيه أخوه من الغد. قال: وعدتني أن تفطر عندي فأخلفت. فقال: لو لا ميعادك ما أخبرتك بالذي حبسني عنك إني لما صليت العتمة قلت أوتر قبل أن أجيئك لأني لا آمن ما يحدث من الموت. فلما كنت في الدعاء من الوتر رفعت لي روضة خضراء فيها أنواع الزهر من الجنة، فما زلت أنظر إليها حتى أصبحت. و قال عزّ و جلّ: كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة: ٢٢]. قيل: القرآن قوى إيمانهم بعلم القرآن. فالقرآن روح الإيمان، و تقويتهم استعمالهم به. و في التفسير يا يحيى خذ الكتاب بقوة. قيل: بجد و اجتهاد و مثله خذوا ما آتيناكم بقوّة. قيل: بعمل به. و قيل لبعضهم: إذا