قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٨٩ - ذكر أحزاب القرآن و كيف حزبه الصحابة رضي الله عنهم
تبكوا. فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه فبكاء القلب حزنه و خشيته، أي فإن لم تبكوا بكاء العلماء عن الفهم فتحزن قلوبكم على فقد البكاء و ليخش كيف لم يوجد فيكم وصف أهل العلم. و قد روينا في غرائب التفسير من معنى قوله تعالى: وَ إِنَّ من الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ [البقرة: ٧٤] قال: هي العين الكثيرة البكاء وَ إِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ [البقرة: ٧٤] قال: هي العين القليلة البكاء وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ من خَشْيَةِ الله [البقرة: ٧٤] قال: هو بكاء القلب من غير دموع عين قال ثابت البناني: رأيت في النوم كأني أقرأ على رسول الله صلّى الله عليه و سلّم القرآن. فلما فرغت قال هذه القراءة فأين البكاء؟ و كان الحسن يقول: و الله ما أصبح اليوم عبد يتلو هذا القرآن يؤمن به إلا كثر حزنه و قل فرحه و كثر بكاؤه و قل ضحكه و كبر نصبه و شغله و قلت راحته و بطالته. و الناس في التلاوة على ثلاث مقامات. أعلاهم من شهد أوصاف المتكلم في كلامه و يعرف أخلاقه بمعاني خطابه، و هذا مقام العارفين من المقربين. و منهم من يشهد ربه تعالى يناجيه بألطافه و يخاطبه بإنعامه و إحسانه، فمقام هذا الحياء و التعظيم و حاله الإصغاء و الفهم. و هذا للأبرار من أصحاب اليمين. و منهم من يرى أنه يناجي ربّه عزّ و جلّ فمقامه السؤال و التملّق و حاله الطلب و التعلّق، و هذا للمعترفين و المريدين و هم من خصوص أصحاب اليمين. و ينبغي للعبد أن يشهد في التلاوة أن مولاه يخاطبه بالكلام لأنه سبحانه متكلّم بكلام نفسه و ليس للعبد في كلامه كلام إنما جعل له حركة اللسان بوصفه و تيسير الذكر بلسانه بحكم ربه عزّ و جلّ حدا للعبد و مكانا له، كما كانت الشجرة وجهة لموسى عليه السلام و كلمة الله عزّ و جلّ منها. و يقال: إن كل حرف من كلام الله عزّ و جلّ في اللوح المحفوظ أعظم من جبل قاف و إن الملائكة لو اجتمعت على الحرف الواحد أن يتلوه ما أطاقوه حتى يأتي إسرافيل و هو ملك اللوح المحفوظ فيرفعه فيقله بإذن الله عزّ و جلّ و رحمته إذا كان الله تعالى أطاقه ذلك لما استعمله به. و قال جعفر بن محمد الصادق: و الله لقد تجلّى الله عزّ و جلّ لخلقه في كلامه و لكن لا يبصرون. و قال أيضا: و قد سألوه عن شيء لحقه في الصلاة حتى خرّ مغشيا عليه فلما سري عنه قيل له في ذلك فقال: ما زلت أردد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته تعالى. و كذلك الخصوص يرددون الآية بقلوبهم على قلوبهم و يتحقّقون بها في مشاهدتهم بمدد من شهيدهم و سيدهم حتى يستغرقهم الفهم فيغرقون في بحر العلم، فإن قصرت مشاهدة التالي عن هذا المقام فيشهد أنه يناجيه بكلامه و يتملقه بمناجاته. فإن الله عزّ و جلّ إنما خاطبه بلسانه و كلّمه بحركته و صوته ليفهم عنه بعلمه الذي جعل له و يعقل عنه