قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٨٠ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
عمران يعاتبه و ينهاه عن بذله له و كثرة كلامه فيه إلى أن قال: أنا منذ عشرين سنة أسأل الله تعالى أن ينسيني هذا العلم قال: و لم؟ قال: رأيت النبي صلّى الله عليه و سلم في المنام فسمعته يقول إن لكل شيء عن الله تعالى حرمة و من أعظم الأشياء حرمة الحكمة، فمن وضعها في غير أهلها طالبه الله تعالى بحقها و من طالبه خصمه و قد كان بعض السلف يقول: إذا استند الرجل إلى سارية أو أحب أن يسأل فلا تجلس إليه و لا ينبغي أن يسأل و لم ير في مجالس أهل هذا العلم فيما سلف ثلاثون رجلا و لا عشرون إلا نادرا غير لزام و لا دوام إنما كانوا من الأربعة إلى العشرة و بضعة عشر. و قد كان يجتمع في مجالس القصاص و المذكرين و الواعظين مئون من عهد الحسن إلى وقتنا هذا فهذا أيضا من الفرق بينهما أن العلم مخصوص لقليل و أن القصص عام لكثير. و قال بعض علمائنا: كان في البصرة مائة و عشرون متكلما في الذكر و الوعظ و لم يكن من يتكلم في علم المعرفة و اليقين و المقامات و الأحوال إلا ستة منهم: أبو محمد سهل و الصبيحي و عبد الرحيم. و قد قيل من لم ينتفع بسكوت العالم لم ينتفع بكلامه أي ينبغي أن يتأدب بصمته و خشوعه و ورعه و يقتدي بيقينه في ذلك كما يتأدب بنطقه و يقتدى بكلامه على أنهم كانوا يقولون علم الظاهر من علم الملك و علم الباطن من علم الملكوت يعنون أن ذلك من علم الدنيا لأنه يحتاج إليه في أمور الدنيا و هذا من علم الآخرة لأنه من زادها و هذا كما قالوه لأن اللسان ظاهر فهو من الملك و هو خزانة العلم الظاهر و القلب خزانة الملكوت و هو باب العلم الباطن فقد صار فضل العلم الباطن على الظاهر كفضل الملكوت على الملك و هو الملك الباطن الخفي و كفضل القلب على اللسان و هو الظاهر الجلي. و قد كان بشر بن الحرث رحمه الله يقول: حدثنا و أخبرنا باب من أبواب الدنيا. و قال مرة: الحديث ليس من زاد الآخرة. و حدثنا بعض أشياخنا عن بعض أصحابه قال: دفنا له بضعة عشر ما بين قمطر و قوصرة كتبا لم يحدث منها بشيء إلا ما سمع منه نادرا في الفرد و كان رحمه الله تعالى يقول: إني أشتهي أن أحدث و لو ذهب عني شهوة الحديث لحدثت ثم قال: أنا أجاهد نفسي منذ أربعين سنة. و قال إذا سمعت الرجل يقول حدثنا و أخبرنا فإنما يقول أوسعوا إليّ و كان زاهدا عالما و قال هو و غيره: إذا اشتهيت أن تحدث فلا تحدث و إذا لم تشته أن تحدث فحدث. و قد كانت رابعة العدوية رحمها الله تعالى قبله تقول للثوري رضي الله عنه: نعم الرجل سفيان لو لا أنه يحب الحديث. و كانت تقول: فتنة الحديث أشد من فتنة المال و الولد و قالت مرة: لو لا أنه يحب الدنيا يعني اجتماع الناس