قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٦٢ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
أصحاب رسول الله أوتينا الإيمان قبل القرآن و سيأتي بعدكم قوم يؤتون القرآن قبل الإيمان يقيمون حروفه و يضيعون حدوده و يقولون قرأنا. فمن أقرأ منا و علمنا فمن أعلم منا فذلك حظهم منه. و في لفظ آخر: أولئك شرار هذه الأمة. فأما العلم المأثور الذي نقله خلف عن سلف و الخبر المرسوم في الكتب المستودع في الصحف الذي يسمعه من غبر عمن قدم فهذا علم الأحكام و الفتيا و علم الإسلام و القضايا طريقه السمع و مفتاحه الاستدلال و خزانته العقل و هو مدون في الكتب و محبر في الورق يتلقاه الصغير عن الكبير بالألسنة و هو باق بقاء الإسلام و موجود بوجود المسلمين لأنه حجة الله تعالى على عباده و محجة العموم من خلقه فضمن إظهاره فلم يكن ليظهر إلا بحملة تظهره و نقلة تحمله فقال تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف: ٩]. و كما قال الرسول صلّى الله عليه و سلم بمعناه و علم ظاهر على اللسان فذلك حجة الله تعالى على خلقه و قال صلّى الله عليه و سلم لأصحابه: تسمعون و يسمع منكم و يسمع ممن سمع منكم فأخبر صلّى الله عليه و سلم بالعلم العتيد المستودع ظهور الكتب الذي هو ظاهر الدين و في جهله و عدمه وجود الشرك كما ضمن الله تعالى تبقية الإسلام على كره المشركين و قال صلّى الله عليه و سلم: رحم الله من سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه فربّ حامل فقه غير فقيه و رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. و قد أخبر أن حامل الفقه قد يكون غير فقيه القلب إذا لم يعمل بعلمه و أنه قد يحمله إلى من هو أفقه منه إذا عمل به إذا وعاه كما قال في الخبر الآخر: ربّ مبلغ أوعى من سامع فمدحه بالعمل به إذا وعاه. فتذكر به و تفكر فيه و إن لم يكن سمعه منه صلّى الله عليه و سلم. و قال الله سبحانه و تعالى: وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ [الحاقة: ١٢] يعني أذن القلب الحافظة ما سمعت الذاكرة لما وعت كما قال تعالى: إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٧] يعني أصغي بسمعه إلى سامعه و شهد بقلبه ما سمعه من شاهده. و قد جاء في تفسير قوله تعالى: وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ [الحاقة: ١٢]، قال: أذن عقلت عن الله تعالى أمره و نهيه فوعته و عملت به كما وصف سبحانه و تعالى المؤمنين الذين نعتهم بقوله في تمام وصفهم: وَ الْحافِظُونَ لِحُدُودِ الله [التوبة: ١١٢]. و قد روينا عن عليّ رضي الله عنه: اطلبوا العلم تعرفوا به و اعملوا به تكونوا من أهله. و قال أيضا رضي الله عنه: إذا سمعتم العلم فاكظموا عليه و لا تخلطوه بهزل فتمجه القلوب و قال بعض السلف: من ضحك ضحكة مج مجة من العلم. و قال الخليل بن أحمد رحمه الله: ليس العلم ما حواه القمطر إنما العلم ما وعاه الصدر، و إذا جمع العالم