قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٥٧ - ذكر وصف الزاهد و فضل الزهد
و قال إبراهيم بن أحمد الخواص رحمه الله في وصف المدّعين: و قوم ادّعوا الزهد و لبسوا الفاخر من الثياب يموّهون بذلك على الناس ليهدوا إليهم مثل لباسهم و لئلا ينظر إليهم بالعين التي ينظر بها إلى الفقراء فيحتقرون فيعطون كما يعطى المساكين و يحتجون لنفوسهم باتساع العلم و إنهم على السنّة و إن الأشياء داخلة عليهم و هم خارجون منها، و إنما يأخذون بعلّة غيرهم، هذا إذا طولبوا بالحقائق و ألجئوا إلى المضايق. و كل هؤلاء أكلة الدنيا بالدين لم يعنوا بتصفية أسرارهم و لا بتهذيب أخلاق نفوسهم فظهرت عليهم صفاتهم فغلبتهم فادّعوا حالا لهم مائلون إلى الدنيا متبعون الهوى. و كان الخواص رحمه الله تعالى لا يلبس أكثر من قطعتين إزارين و قميص و مئزر تحته، و يعطف ذيل قميصه على رأسه و يغطّي به رأسه. و كذلك استحبّ للفقير هذا اللباس و الأخبار في فضائل الفقر و فضل الفقراء و في ذمّ الدنيا و نقص الأغنياء أكثر من أن تذكر و لم نقصد جمعها و لا كثرة الاستدلال بها. و من الزهد ترك فضول للبنيان و أن لا يبنى عاليا و لا مشيدا و لا من الطين إلا ما يحتاج إليه و قيل: أوّل بدعة حدثت بعد رسول الله صلّى الله عليه و سلم المناخل و الموائد. و أوّل شيء ظهر من طول الأمل التدريز و التشييد يعني دروز الثياب و إنما كانت تشلّ شلا و البنيان الجص و الآجر و هو التشييد، و إنما كانوا يبنون بالسعف و الجريد. و قد جاء في الأثر: يأتي على الناس زمان يوشّون بنيانهم كما توشّى البرود اليمانية. و نظر عمر رضي الله عنه في طريق الشام إلى صرح قد بني بجصّ و آجر فكبر و قال: ما كنت أظنّ أن في هذه الأمة من يبني بنيان هامان لفرعون يعني قول فرعون فأوقد لي يا هامان على الطين يعني به الآجر. يقال: أوّل من بني بالجصّ و الآجر فرعون و أوّل من عمله هامان ثم تبعهما الجبابرة، فهذا هو الزخرف. و ذكر بعض السلف جامعا في بعض الأمصار فقال: أدركت هذا المسجد مبنيّا من الجريد و السعف ثم رأيته مبنيّا من رهوص ثم رأيته الآن مبنيّا باللّبن. فكان أصحاب السعف خيرا من أصحاب الرهوص، و كان أصحاب الرهوص خيرا من أصحاب اللبن. و قد كان في السلف من يبني داره مرارا في مدة عمره لضعف بنائه و قصر أمله و لزهده في إتقان البنيان و كان منهم من إذا حجّ أو غزا نزع بيته أو وهبه لجيرانه فإذا رجع أعاده. و كانت بيوتهم من الحشيش و الثمام و الجلود و على ذلك العرب ببلاد اليمن إلى اليوم. و أمر رسول الله صلّى الله عليه و سلم العباس رضي الله عنه أن يهدم علية كان قد علا بها. و مرّ عليه السلام بجنبذة معلاة فقال: لمن هذه؟ قالوا: لفلان. فلما جاءه الرجل أعرض عنه فلم يكن يقبل عليه كما كان فسأل الرجل أصحابه عن تغيّر وجه رسول الله صلّى الله عليه و سلم فأخبروه فرجع فهدمها. فمرّ رسول الله صلّى الله عليه و سلم بالموضع فلم يرها فسأل عنها فأخبر أنه هدمها فدعا له