قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٠٤ - الفصل التاسع و العشرون فيه ذكر أهل المقامات من المقربين و تمييز أهل الغفلة المبعدين
و كذلك تولى بعض الظالمين بعضا و قال: تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة: ١١٨]. فيتبعون ما تشابه منه فكم بين من ثبت قلبه فرسخ العلم فيه و بين من أزاغه فمال إلى فتنة التأويل يبتغيه و شتان بين من تولاه بنفسه إذ صلح له و بين من ولّاه إذا أعرض عنه فهذه مقامات المبعدين كما تلك مقامات المقربين فقد دخلوا تحت حكمين لم يخرجوا منهما أعلاهم دخل تحت فضله و أدناهم لم يخرج من عدله و قد أجمل سبحانه وصفهم بقوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ من فَضْلِهِ [الروم: ٤٥] و قال في ذكر العموم: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ [يونس: ٤]. بالقسط فخص أولياءه بالفضل و عمّ خلقه بالعدل. فكم من قلب لا يشهد إلا الله و لا يسمع إلا منه و لا إليه و الله هو الأغلب على همه و الأقرب إلى قلبه و بين قلب حشوه الخلق و همه الرزق لا ينظر إلا إليهم و لا يطمع إلا فيهم و لا ينظر إلا هم الخلق أغلب شيء عليه و الخلق أقرب شيء إليه. فهذا من المبعدين بهم لأن البعد صفتهم و ظهور النفس عليه و تحكم سلطانها فيه مكان البعد الذي يوجد البعد معه و الأوّل من المقربين به لأن القرب صفته و خنوس نفسه عنه و تسخيرها له مكان القرب الذي يوجد القرب عنده فذلك من السابقين إلى ربه و المبعد مثبط بنفسه عن ربه و قد قال تعالى: فَلا تَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ من الْمُعَذَّبِينَ [الشعراء: ٢١٣]. فالبعد حجاب و المبعد في عذاب و القرب نعيم و المقرب على مزيد. ألم تسمع قوله تعالى في تعذيب المحجوب: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥]. ثم إنهم لصالوا لجحيم و قال في ترويح المقربين: فَأَمَّا إِنْ كانَ من الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَ رَيْحانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ [الواقعة: ٨٨- ٨٩]. روح بقريب و ريحان من حبيب و جنة نعيم بقرب منعم و قال المروح بالقرب المحيا بالحضور: فروحي و ريحاني إذا كنت حاضرا و إن غبت فالدنيا علىّ محابس إذا لم أنافس في هواك و لم أغر عليك ففي من ليت شعري أنافس و قال المكروب بالبعد المغصص بالفقد: فكيف يصنع من أقصاه مالكه فليس ينفعه طب الأطباء من غص داوى بشرب الماء غصته فكيف يصنع من قد غص بالماء و شتان بين عبد منقطع إلى ربه يخدمه و آخر منقطع لخدمة الخلق يعبدهم و كم بين عبد منقطع عن الناس و بين عبد موصول به الوسواس و شتان بين عبد منقطع بالشوق إلى المولى و بين عبد منقطع بالهوى معانق للدنيا فهذه مقامات المقربين بالحسنى و أضدادها