قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٤٢ - الفصل الثالث و العشرون فيه كتاب محاسبة النفس و مراعاة الوقت
الفصل الثالث و العشرون فيه كتاب محاسبة النفس و مراعاة الوقت قال الله عزّ و جلّ: وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ [الأنبياء: ٤٧] إلى قوله: أَتَيْنا بِها وَ كَفى بِنا حاسِبِينَ [الأنبياء: ٤٧] و قرئت: آتينا بها ممدودة أي جازينا بها فالتخويف بهذا الحرف أشد و أبلغ، و قال تعالى يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم الآية. و أوصى أبو بكر عمر رضي الله عنهما عند موته. فقال: إن الحق ثقيل و هو مع ثقله مريء و إن الباطل خفيف و هو مع خفته وبيء و إن للَّه عزّ و جلّ حقا بالنهار لا يقبله بالليل و حقا بالليل لا يقبله بالنهار و إنك لو عدلت على الناس كلهم و جرت على واحد منهم لمال جورك بعدلك فإن حفظت وصيتي لم يكن شيء أحبّ إليك من الموت و هو مدركك و إن ضيعت وصيتي لم يكن شيء أبغض إليك من الموت و لن تعجزه. و قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و زنوها قبل أن توزنوا و تزينوا للعرض الأكبر على الله تعالى يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية و إنما خف الحساب في الآخرة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا و ثقلت موازين قوم في الآخرة و زنوا أنفسهم في الدنيا و حق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا. فمحاسبة النفس تكون بالورع و الموازنة تكون بمشاهدة اليقين و التزين للعرض الأكبر يكون بمخافة الملك الأكبر و هو حقيقة الزهد. و أوصى رسول الله صلّى الله عليه و سلّم أبا ذر فقال له: اتق الله أينما كنت و أتبع السيئة الحسنة تمحها و خالق الناس بخلق حسن. و وجدت هذه الوصية في كتاب الله عزّ و جلّ لعباده بقوله عزّ و جلّ: وَ لَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من قَبْلِكُمْ وَ إِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا الله [النساء: ١٣١] و الكلمة الثانية في قوله تعالى: وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد: ٢٢] أي يدفعون بعمل الحسنة و يتبعونها السيئة المتقدمة تكفرها. و الكلمة الثالثة في قوله تعالى: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة: ٨٣]. و قد أخبر الله عزّ و جلّ عن وصية عباده الصالحين