قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٠٨ - شرح مقام الخوف و وصف الخائفين و هو الخامس من مقامات اليقين
و قد ستر ذلك و عطاه بسعة رحمته و حلمه و كثيف ستره و فضله و سيخرج ذلك الخباء يوم تبلى السرائر عند غضبه و عظيم سطوته، فما له من قوة، من عمل، و لا ناصر من علم لا قوّة له فينتصر بها، لأن النصرة عزّة و هو ذليل، و لا ناصر، لأن الناصر هو الخاذل و المقوّى هو المضعف. فما أسوأ حال من لا ينصر نفسه، و ليست له من مولاه صحبة، و لو صحبه لنصره، و لو نصره لأعزه و لو وليه لهرب منه عدّوه. قال تعالى: لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَ لا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [الأنبياء: ٤٣] و قال تعالى: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [الفرقان: ٦] الآية. فمن حكمته غفره و من رحمته ستره. و قال تعالى: يُخْرِجُ الْخَبْءَ في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَ ما تُعْلِنُونَ [النمل: ٢٥]، فهذه العلوم التي ذكرناها توجب حقائق المخاوف، و هي من سرّ الملك و خباء الملكوت. على أن للعبد عند الموت علامات ليس يخفى على العارف بسوء الخاتمة بها لمشاهدته لها و للأحياء علامات عند المكاشفين على الاطلاع يعرفون بها سوء الخاتمة منهم، و هذا علم مخصوص به: من أقيم مقام مقامات المكاشفات عن مشاهدة حقيقة من ذات، و هو سرّ علام الغيوب عند من أطلعه عليه من أهل القلوب، لأن الكشف يتنوّع أنواعا من المعاني، فمنه كشف معاني الآخرة، و منه كشف بواطن الدنيا، و منه الاطلاع على حقائق الأشياء المستورة لظواهر الأحكام، فهذا من سر الملكوت، و من معاني كشوف الجبروت. و قد جاء في خبر «القدر سر الله فلا تفشوه» فهذا خطاب لمن كوشف به. و في خبر آخر «ستر الله فلا تكشفوه» فهذا خطاب لمن لم يكاشف به، و هذا نهي عن السؤال عنه، و هو داخل في قوله تعالى وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ به عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦] أي لا تتبع نفسك علم ما لم تكلف، و لا تسأل عما لم يجعل من علمك و لم يوكل إليك، و لأنه إذا علمه لم ينفعه علمه شيئا، و إنما ينفعه علم الأحكام و الأسباب، لأنها طرقات، و بمثل مخاطبة المؤمنين خاطب أنبياءه عليهم السلام في هذا المعنى في قوله تعالى لنوح عليه السلام حين قال: إِنَّ ابْنِي من أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ [هود: ٤٥] لأنه قد كان وعده نجاة أهله فقال سبحانه و تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ من أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ به عِلْمٌ [هود: ٤٦] أي دعاءك و مسألتك لي ما لم أجعله من علمك و لم أكله إليك عمل غير صالح، فعندها استغفر ربه و استرحمه.