قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٥٥ - ذكر وصف الزاهد و فضل الزهد
و كان الخواص رحمه الله تعالى لا يلبس أكثر من قطعتين، إزارين أو قميص و مئزر تحته و يعطف ذيل قميصه على رأسه و يحلّه في وسطه فيغطي به رأسه. و كذلك استحب للفقير و هو حدّ اللباس. و قال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: الثياب ثلاثة، ثوب للَّه تعالى، و ثوب للنفس، و ثوب للناس. فالذي للَّه تعالى ما ستر العورة و أديت فيه الفريضة، و الذي للنفس ما طلبت لينه و نقاءه، و الذي للناس ما طلبت جوهره و حسنه. ثم قال: و قد يكون الثوب الواحد للَّه تعالى و للنفس. و قد كان بعض العلماء يكره أن يكون على الرجل من الثياب ما يجاوز قيمة أربعين درهما و بعضهم يقول: إلى المائة و يعدّ سرفا فيما جاوزها. و كان جمهور العلماء و خيار التابعين قيمة ثيابهم ما بين العشرين إلى الثلاثين، و كان المتقدّمون من الصحابة أثمان إزارهم اثنا عشر درهما، فكانوا يلبسون ثوبين قيمة نيف و عشرين درهما. و اشترى رسول الله صلّى الله عليه و سلم ثوبا بأربعة دراهم و كان قيمة ثوبيه عشرة إلى دينار، و كان طول إزاره أربعة أذرع و نصف. و اشترى سراويل بثلاثة دراهم و كان يلبس شملتين بيضاوين من صوف و كانت تسمّى حلّة لأنها ثوبان من جنس واحد و ربما لبس ثوبين من جنس واحد و ربما لبس بردتين يمانيين أو سحوليين من هذه الغلاظ. و في الخبر: كان قميص رسول الله صلّى الله عليه و سلم كأنه قميص زيات و قد لبس عليه السلام يوما واحدا ثوب سيراء من سندس قيمته مائتا درهم فكان أصحابه يلمسون و يقولون: أنزل عليك هذا من الجنة تعجّبا منه و كان قد أهداه إليه المقوقس ملك الإسكندرية فأراد أن يكرمه بقبول هديته و يلبسه ثم نزعه، و أرسل به إلى رجل من المشركين وصله به ثم حرم لبس الحرير و الديباج. و قد يكون لبسه إياه توكيدا للتحريم بعده كما لبس خاتما من ذهب يوما واحدا، ثم نزعه فحرم لبسه على الرجال. و كما قال لعائشة رضي الله عنها في شأن بريرة: اشترطي لأهلها الولاء. فلما اشترطته صعد المنبر فحرمه فهذا يكون مؤكدا للتحريم. و كما أباح المتعة ثلاثا ثم حرمها لتوكيد أمر النكاح. و قد يحتج بمثل هذا علماء الدنيا و يطرقون به لنفوسهم و يدعون الناس منه إليهم و يظهرون الدعوة إلى الله تعالى تأولا بمتشابه الحديث كما تأوّل أهل الزيغ متشابه القرآن على أ هوائهم ابتغاء الفتنة و طلبا للدنيا لأن حديث رسول الله صلّى الله عليه و سلم على معاني كلام الله تعالى فيه: ناسخ و منسوخ و محكم و متشابه و خاصّ و عام. و عدل علماء الدنيا و أهل الأهواء عن المحكم السائر من فعل رسول الله صلّى الله عليه و سلم و قوله إلى ما ذكرناه و قد صلّى رسول الله صلّى الله عليه و سلم في خميصة لها علم. فلما سلم قال: شغلني النظر إلى هذه اذهبوا بها إلى أبي جهم و أتوني بانبجانيته يعني كساءه فاختار لبس الكساء على الثوب الناعم.