قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٨١ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
حوله للحديث. و كان أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى يقول: من تزوّج أو كتب الحديث أو طلب معاشا فقد ركن إلى الدنيا. و قال بعض هذه الطائفة: كل من أدرك العلوم غير العلم باللّه عزّ و جلّ فقد استدرك و الذي أدرك العلم باللّه فقد تدورك ثم تلا قوله تعالى: لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ من رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ [القلم: ٤٩]، أي تدورك بعلم المعرفة لطرح في بعد الهوى و العرا البعد و علم المعقول بعد إلى جنب علم اليقين. و قال أيضا في فهم قوله تعالى: وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ [الإسراء: ٧٤] أي ثبتناك بالمعرفة لقد كدت تسكن إلى علوم العقل. و قال سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى في قوله عزّ و جلّ: وَ اجْعَلْ لِي من لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [الإسراء: ٨٠] قال لسانا ينطق عنك لا عن سواك و فضل العلم باللّه عزّ و جلّ و العلم بالإيمان و علم اليقين على العلم بالأحكام و القضايا كفضل المشاهدة على الخبر. و قد قال الرسول صلّى الله عليه و سلم: ليس الخبر كالمعاينة. و في لفظ آخر: ليس الخبر كالمعاين. و قد روى عياض بن غنم عن النبي صلّى الله عليه و سلم: في تفسير قوله عزّ و جلّ: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ... عِلْمَ الْيَقِينِ [التكاثر: ١- ٥]، كرأي العين. و في هذا الخبر أن من خيار أمتي قوما يضحكون جهرا من سعة رحمة ربهم و يبكون سرا من خوف عذابه أقدامهم في الأرض و قلوبهم في السماء أرواحهم في الدنيا و عقولهم في الآخرة يمشون بالسكينة و يتقربون بالوسيلة. فالفتيا هي الأخبار و الاستفتاء هو الاستخبار. و منه قوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ [الصافات: ١١] و قوله تعالى: وَ يَسْتَفْتُونَكَ [النساء: ١٢٧] أي يستخبرونك. فعلم الخبر قد يدخله الظن و الشك و المشاهدة ترفع الظن و تزيل الشك كما قال تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [النجم: ١١] فأثبت الرؤية للقلب بالعين فرؤية القلب هو اليقين و ذو القلب هو الموقن. و قال النبي صلّى الله عليه و سلم: كفى باليقين غنى ففي علم اليقين غنية عن جميع العلوم لأنه حقيقة العلم و خالصه و ليس في جميع العلوم غنى عن علم اليقين و لأن الفقر بالشك و الحاجة إلى اليقين في علم التوحيد و علم الإيمان أشد من الفقر بالحاجة إلى علوم الفتيا و غيرها فلذلك صار الغني باليقين أعظم من الاستغناء بسائر العلوم ففي هذا العلم مثل من فاتحة الكتاب إلى سائر القرآن. كما روي عن النبي صلّى الله عليه و سلم فاتحة الكتاب تجزي من كل القرآن و ليس القرآن كله يجزي من فاتحة الكتاب، فكذلك مثل العلم باللّه عزّ و جلّ إلى العلم بما سواه. ففي العلم باللّه تعالى عوض من كل العلوم، و ليس في سائر العلوم عوض من العلم باللّه عزّ و جلّ من حيث كان في الله تعالى عوض به عن كل ما سواه. و كل علم موقوف على معلومه فعلم اليقين