قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٥٢ - الفصل الرابع و العشرون في ذكر ماهية الورد للمريد و وصف حال العارف بالمزيد
الفصل الرابع و العشرون في ذكر ماهية الورد للمريد و وصف حال العارف بالمزيد اعلم أن الورد اسم لوقت من ليل أو نهار يرد على العبد مكررا فيقطعه في قربة إلى الله و يورد فيه محبوبا يرد عليه في الآخرة، و القربة اسم لأحد معنيين: أمر فرض عليه أو فضل ندب إليه. فإذا فعل ذلك في وقت من ليل أو نهار و دوام عليه فهو ورد قدمه يرد عليه غدا إذا قدم. و أيسر الأوراد صلاة أربع ركعات أو قراءة سورة من المثاني أو سعي في معاونة على برّ و تقوى. قال أنس بن سيرين: كان لمحمد بن سيرين في كل ليلة سبعة أوراد، فكان إذا فاته منها شيء قضاه بالنهار فسمي العمل الموظف المؤقت وردا. و قال المعتمر بن سليمان: ذهبت ألقن أبي عند الموت فأومأ إليّ بيده دعني فإني في وردي الرابع فسمي الحزب من أحزاب القرآن لوقت ما وردا. فمن العمال من كان يجعل الأوراد من أجزاء القرآن و منهم من كان يجعله من أعداد الركوع و فوق هؤلاء من العلماء كانوا يجعلون الأوراد من أوقات الليل و النهار. فإن قطع الوقت بآية أو ركعة أو فكرة أو شهادة فذاك ورده. و أما العارفون فإنهم لم يوقتوا الأوراد و لم يقسموا الأوقات بل جعلوا الورد واحدا لمولاهم و جعلوا حاجاتهم من الدنيا ضرورتهم، و صيروا الوقت متساويا لسيدهم و تصريفهم لمصالحهم يدخل عليهم فوضعوا رقابهم في رقّ العبودية وصفوا أقدامهم في مصاف الخدمة فكانوا في كل وقت بحكم ما يستعملون و بوصف ما به يطالبون ذلك وردهم و تلك علامتهم عن حسن اختيار الله عزّ و جلّ لهم و جميل توليه إياهم لا يكلهم إلى نفوسهم و لا يوليهم بعضهم و هو يتولّى الصالحين مشاهدتهم ذكرهم و قرب الحبيب حبهم ليس يشهدون فضيلة في غير محبوبهم و لا يرجون قربة بغير معروفهم، به يتقربون إليه، و إليه، به يسبّحون له، و عليه يتوكلون له، و منه يخافون عنه، و إياه يحبون منه لو أسقطوا الأعمال كلها غير ما تعلق بالتوحيد ثبوته ما نقص من توحيدهم ذرة و لو تركوا أوراد المريدين كلهم ما أثر في قلوبهم بقسوة و لا فترة لأنهم لا يزيدون بالأعمال فينقصون بها و لا يتفقدون