قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٣٧ - الفصل الثاني و العشرون فيه كتاب الصيام و ترتيبه و وصف الصائمين و ذكر ما يستحب للعبد من الصيام و طرقات الصائمين في الصوم و وصف صوم الخصوص
الفصل الثاني و العشرون فيه كتاب الصيام و ترتيبه و وصف الصائمين و ذكر ما يستحب للعبد من الصيام و طرقات الصائمين في الصوم و وصف صوم الخصوص قال الله عزّ و جلّ: وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ [البقرة: ١٥٣]، جاء في التفسير: الصبر يعني الصوم و كان رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يسمي رمضان شهر الصبر لأن الصبر حبس النفس عن الهوى و إيقافها و حبسها على أمر المولى. و قد روينا عن النبي صلّى الله عليه و سلّم أنه قال: الصبر نصف الإيمان و الصوم نصف الصبر. و قال الله تعالى: وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ [البقرة: ١٥٣]. قيل: معناه على مجاهدة النفس و قيل: على مصابرة العدوّ. و قال بعض العلماء: استعينوا بالصبر على الزهادة في الدنيا بالصوم، لأن الصائم كالزاهد العابد، فالصوم مفتاح الزهد في الدنيا و باب العبادة للمولى لأنه منع النفس عن ملاذها و شهواتها من الطعام و الشراب كما منعها الزاهد العابد بدخوله في الزهد و شغله بالعبادة. و لذلك جمع رسول الله صلّى الله عليه و سلّم بينهما في المعنى فقال: إنّ الله عزّ و جلّ يباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول: أيها الشاب التارك شهوته من أجلي المبتذل شبابه لي أنت عندي كبعض ملائكتي. و قال في الصائم: مثل ذلك يقول عزّ و جلّ: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي ترك شهوته و لذته و طعامه و شرابه من أجلي. ففي الصوم عون على مجاهدة النفس و قطع حظوظها و منع عادتها و فيه إضعاف لها و نقصان لهواها. و قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يقول الله عزّ و جلّ: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي و أنا أجزي به. فأضافه عزّ و جلّ إليه تفضيلا له تخصيصا كما قال تعالى: وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ الله أَحَداً [الجن: ١٨] و كما قال: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها [النمل: ٩١] فلما كانت المساجد أحب بيوت الدنيا إليه و كانت مكة أشرف البلاد عنده أضافها إلى ذكره و له كل شيء كذلك لما كان الصيام أفضل الأعمال عنده و أحبها إليه لأن فيه خلقا من أخلاق الصمدية و لأنه من أعمال السر بحيث لا يطلع عليه إلا هو أضافه لنفسه. و قيل: ما في عمل ابن آدم شيء إلا و يقع فيه