قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٦٧ - الفصل السادس و العشرون فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة
جزءا على حكمة من الله عزّ و جلّ و تمهّل و استدراج منه وقتا بعد وقت و يوما بعد يوم يستدرجه في ذلك كما يصعد الدراج في الدرج مرقاة مرقاة، كذلك يشغله في وقت عنه و يفرغه وقتا آخر لغيره و يذكره في وقت سواه و ينسيه وقتا آخر إياه فشغله حينئذ كفراغه و ذكره يومئذ كنسيانه و على هذا سائر أوقاته تارة يقطعه عنه و تارة يصله بغيره حتى تفنى الأيام بالفوت و تنقضي الأوقات إلى الموت و في ذلك يسبل عليه الستر ليغتر و يسبغ عليه النعم كيلا يعلم و يديم له العوافي لئلا يفطن و يبسط له الأمل ليزداد من سوء العمل و يقبض عنه الأجل ليقبض منه الوجل و ينشر له الرجاء و يطوي عنه الخوف حتى يبغتهم فجأة من حيث أمنهم و يأخذهم بغتة في حال غمرتهم كما قال: وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنا مَكْراً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل: ٥٠] و من معنى ما ذكرناه قوله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ٤٤] أي لما تركوا ما وعظوا به و خوفوا أسبغنا عليهم النعم و أنسيناهم الشكر فترادفت منهم الذنوب و أنسيناهم الاستغفار. ثم قال: حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا [الأنعام: ٤٤] أي سكنوا إلى ذلك و اطمأنوا و لم يريدوا التحويل عنه و لا الاستعتاب منه: أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً [الكهف: ٢٨] أي فجأة في حين أمنهم و قيل بغتة بعد أربعين سنة فإذا هم مبلسون متحيرون باهتون آيسون من كل خير. و اعلم أن العبد إذا كان بعد ساعة شرّا منه قبلها و بعد يوم شرّا منه قبله ثم لم يستعتب و لم يتدارك كانت أوقاته كلها و أيامه كيوم واحد في الشر و وقت سرمد في السوء فكان كمن فات عمره كله كفوت وقت واحد منه لأنه على هذا الوصف يكون فوت العمر لتراخيه وقتا بعد وقت و ينساه شيئا بعد شيء و لتربية العبد بأوقاته وقتا بعد وقت إلا أنها في آخر الحساب و مجمله كيوم واحد أضاعه فكان مثله كما قال تعالى: وَ لا تُطِعْ من أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف: ٢٨] و كمن كان حاله الغفلة عن الوعد و الوعيد فلما كشف عنه الغطاء حار بصره و بهت و احتد و برق لمعاينة ما كان عنه غفل و حسرة على ما فيه فرط لقوله تعالى: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ من هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: ٢٢]. قيل محدد إلى أعمالك السيئة أو ثقتك و قيل حديد إلى لسان الميزان يتوقع النقص و الرجحان و كان كمن قال تعالى في قوله: وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ هُمْ في غَفْلَةٍ [مريم: ٣٩] قيل جاءهم الموت و هم مشغولون بأمور الدنيا و قيل: كانوا متشاغلين في شأن النساء و بوصف من قيل له و غرتكم الأماني يعني أماني الهوى حتى جاء أمر الله أي قدم الموت و لم تقدموا له شيئا يقدموا به عليه فمثلهم كمن وصفه بالإفلاس و أخبر عنه بالإياس في قوله عزّ و جلّ: حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ الله عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ