قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٦٨ - الفصل السادس و العشرون فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة
[النور: ٣٩]. و قد كان أبو محمد يقول لا يبلغ العبد منازل الصديقين حقيقة من هذا الأمر حتى يكون فيه هذه الأربع: أداء الفرائض بالسنة، و أكل الحلال بالورع، و اجتناب النهي في الظاهر و الباطن، و الصبر على ذلك إلى الممات، و كان الحسن يقول: و الله ما لعمل المؤمن انتهاء دون الموت و الله ما المؤمن الذي يعمل الشهر و الشهرين و السنة و السنتين إنما المؤمن المداوم على أمر الله، الخائف من مكر الله، إنما الإيمان شدة في لين و عزم في يقين و اجتهاد في صبر و علم في زهد و كان عمر رضي الله عنه إذا تلا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقامُوا [الأحقاف: ١٣] يقول قد قالها الناس ثم رجعوا، فمن استقام على أمر الله في السر و العلانية و العسر و اليسر و لم يخف في الله لومة لائم و قال مرة استقاموا و الله لربهم و لم يروغوا روغان الثعالب. و قال بعض العلماء: من كان طلب الفضائل أهم إليه من أداء الفرائض فهو مخدوع و من شغل بغيره عن نفسه فقد مكر به. و قال سفيان الثوري و غيره: إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول فأفضل شيء للعبد معرفته بنفسه و وقوفه على حده و أحكامه لحاله التي أقيم فيها، فابتداؤه بالعمل بما افترض عليه بعد اجتنابه ما نهى عنه بعلم لم يدبره في جميع ذلك و ورع يحجزه عن الهوى في ذلك و لا يشتغل بطلب فضل حتى يفرغ من فرض لأن الفضل لا يصح إلا بعد حوز السلامة كما لا يخلص الربح للتاجر إلا بعد حصول رأس المال فمن تعذرت عليه السلامة كان من الفضل أبعد و إلى الاغترار أقرب و قد تلتبس الفضائل بالفرائض لدقة معانيها و خفي علومها فيقدم العبد النفل و هو يحسب أنه الواجب، فمن ذلك أن أبا سعيد رافع بن المعلى كان قائما يصلي فدعاه رسول الله صلّى الله عليه و سلم فلم يجبه فظن أن وقوفه بين يدي الله عزّ و جلّ بالغيب أفضل له فلما سلم جاءه فقال له رسول الله صلّى الله عليه و سلم: ما منعك أن تجيبني حين دعوتك فقال: كنت أصلي فقال: ألم تسمع الله عزّ و جلّ يقول: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤] فكان رسول الله صلّى الله عليه و سلم دعاه و هو في الصلاة ليفيده باطن العلم أو لينظر مبلغ علمه كيف يعمل و كان إجابته لرسول الله صلّى الله عليه و سلم أفضل من صلاته لأن صلاته نافلة له فهو مطيع الله عزّ و جلّ في الغيب باختياره و إجابته لرسول الله صلّى الله عليه و سلم أفضل من صلاته لأنها فريضة عليه فهو مطيع للَّه تعالى في الشهادة بإيجابه ففضل استجابته لرسول الله صلّى الله عليه و سلم على صلاته لنفسه كفضل الفرض على النفل. و قد قال سبحانه: من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله [النساء: ٨٠] و قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ الله [الفتح: ١٠] و الله تعالى معه في المكانين معا و هو عند الرسول عليه السلام على يقين. فعبادة الله