قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٩٧ - شرح مقام الخوف و وصف الخائفين و هو الخامس من مقامات اليقين
هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [الأعراف: ١٥٤] و قال: إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] و قال جل ذكره: رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة: ٨]. و في خبر موسى عليه السلام: و أما الخائفون فلهم الرفيق الأعلى، لا يشاركون فيه، فأفردهم من غير مشاركة بالرفيق الأعلى، كما حققهم اليوم بشهادة التصديق، و هذا مقام من النبوة، فهم مع الأنبياء في المزية من قبل أنهم ورثة الأنبياء، لأنهم هم العلماء. قال تعالى: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ من النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ [النساء: ٦٩]. ثم قال تعالى في وصف منازلهم: وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: ٦٩] بمعنى رفقا، عبر عن جماعتهم بالواحد، لأنهم كانوا كأنهم واحد، و قد يكون رفيقا مقاما في الجنة من أعلى عليين، لقول الرسول صلّى الله عليه و سلم عند الموت و قد خير بين البقاء في الدنيا و بين القدوم على الله تعالى فقال: «أسألك الرفيق الأعلى». و في خبر موسى عليه السلام: فأولئك لهم الرفيق الأعلى، فدل أنهم مع الأنبياء بتفسير النبي صلّى الله عليه و سلم لذلك، و شرف مقامهم فوق كل مقام، لطلب رسول الله صلّى الله عليه و سلم ذلك. فالخوف اسم جامع لحقيقة الإيمان، و هو علم الوجود و الإيقان، و هو سبب اجتناب كل نهي و مفتاح كل أمر، و ليس شيء يحرق شهوات النفوس فيزيل آثار آفاتها إلا مقام الخوف. و قال أبو محمد سهل رحمه الله تعالى: كمال الإيمان العلم، و كمال العلم الخوف. و قال مرة: العلم كسب الإيمان، و الخوف كسب المعرفة. و قال أبو الفيض المصري: لا يسقى المحب كأس المحبة إلا من بعد أن ينضج الخوف قلبه و قال: خوف النار عند خوف الفراق بمنزلة قطرة قطرت في بحر لجيّ، و كل مؤمن باللّه تعالى خائف منه، و لكن خوفه على قدر قربه، فخوف الإسلام: اعتقاد العزة و الجبرية للَّه تعالى، و تسليم القدرة و السطوة له، و التصديق لما أخبر به من عذابه و ما تهدد به من عقابه. و قال الفضيل بن عياض: إذا قيل لك تخاف الله فاسكت، لأنك إن قلت لا كفرت، و إن قلت نعم فليس وصفك وصف من يخاف. و شكا واعظ إلى بعض الحكماء فقال: ألا ترى إلى هؤلاء أعظهم و أذكرهم فلا