قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٤٤ - المقام الثالث من اليقين
يصونون شرفهم أن يدنسوه بالخيانة. و كان الحسن يتكلم في بعض علماء البصرة و يذمهم و كان أبو حازم و ربيعة المدنيان يذمان علماء بني مروان. و قد كان الثوري و ابن المبارك و أيوب و ابن عون يتكلمون في بعض علماء الدنيا من أهل الكوفة. و كان الفضيل و إبراهيم ابن أدهم و يوسف بن أسباط يتكلمون في بعض علماء الدنيا من أهل مكة و الشام كرهنا تسمية المتكلم فيهم لأن السكوت أقرب إلى السلامة. و كان بشر يقول: حدثنا باب من أبواب الدنيا فإذا سمعت الرجل يقول: حدثنا فإنما يقول: أوسعوا لي. و قد كان سفيان الثوري إمامه من قبله يقول لأهل علم الظاهر: طلب هذا ليس من زاد الآخرة. و قال ابن وهب ذكر طلب العلم عند مالك. فقال: إن طلب العلم لحسن، و إن نشره لحسن إذا صحت فيه النية و لكن انظر ما ذا يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي و من حين تمسي إلى حين تصبح فلا تؤثرن عليه شيئا. و قال أبو سليمان الداراني: إذا طلب الرجل الحديث أو تزوّج أو سافر في طلب المعاش فقد ركن إلى الدنيا. و أما علم الإيمان و التوحيد و علم المعرفة و اليقين فهو مع كل مؤمن موقن حسن الإسلام و هو مقامه من الله و حاله بين يدي الله و نصيبه منه في درجات الجنة. به يكون من المقربين عنده و العلم باللّه تعالى و الإيمان به قرينان لا يفترقان. فالعلم باللّه تعالى هو ميزان الإيمان به يستبين المزيد من النقصان لأن العلم ظاهر الإيمان يكشفه و يظهره و الإيمان باطن العلم يهيجه و يشعله، فالإيمان مدد العلم و بصره و العلم قوّة الإيمان و لسانه و ضعف الإيمان و قوّته و مزيده و نقصه بمزيد العلم باللّه عزّ و جلّ و نقصه و قوّته و ضعفه. و في وصية لقمان الحكيم لابنه: يا بني كما لا يصلح الزرع إلا بالماء و التراب كذلك لا يصلح الإيمان إلا بالعلم و العمل و مثل المشاهدة من المعرفة من اليقين من الإيمان كمثل النشاء من الدقيق من السويق من الحنطة، و الحنطة تجمع ذلك كله كذلك الإيمان أصل ذلك و المشاهدة أعلى فروعه كالحنطة أصل هذه المعاني و النشاء أعلى فروعها فهذه المقامات موجودة في أنوار الإيمان يمدها علم اليقين. ثم إن المعرفة على مقامين: معرفة سمع و معرفة عيان، فمعرفة السمع في الإسلام و هو أنهم سمعوا به فعرفوه، و هذا هو التصديق من الإيمان و معرفة العيان في المشاهدة و هو عين اليقين و المشاهدة أيضا على مقامين: مشاهدة الاستدلال و مشاهدة الدليل عنها. فمشاهدة الاستدلال قبل المعرفة و هذه معرفة الخبر و هو في السمع لسانها القول و الواجد بها واجد يعلم علم اليقين من قوله تعالى: سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. إِنِّي وَجَدْتُ [النمل: ٢٢- ٢٣]. فهذا العلم قبل الوجد و هو علم السمع و قد يكون سببه التعليم و منه قوله صلّى الله عليه و سلم: تعلموا اليقين أي جالسوا الموقنين