قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٤٥ - المقام الثالث من اليقين
و اسمعوا منهم على اليقين لأنهم علماؤه و أما مشاهدة الدليل فهي بعد المعرفة التي هي العيان و هو اليقين لسانه الواجد و الواجد بها واجد قرب و بعد هذا الوجد علم من عين اليقين و هذا يتولاه الله تعالى بنوره على يده بقدرته. و منه قوله صلّى الله عليه و سلم: فوجدت بردها فعلمت فهذا التعليم بعد الوجد من عين اليقين باليقين و هذا من أعمال القلوب. و هؤلاء علماء الآخرة و أهل الملكوت و أرباب القلوب و هم المقربون من أصحاب اليمين و علم الظاهر من علم الملك و هو من أعمال اللسان و العلماء به موصوفون بالدنيا و صالحوهم أصحاب اليمين و جاء رجل إلى معاذ بن جبل فقال: أخبرني عن رجلين، أحدهما مجتهد في العبادة كثير العمل قليل الذنوب إلا أنه ضعيف اليقين يعتريه الشك في أموره فقال معاذ: ليحبطن شكّه أعماله. قال: فأخبرني عن رجل قليل العمل إلا أنه قوي اليقين و هو في ذلك كثير الذنوب فسكت معاذ فقال الرجل: و الله لئن أحبط شكّ الأوّل أعمال بره ليحبطن يقين هذا ذنوبه كلها قال: فأخذ معاذ بيده و قام قائما ثم قال: ما رأيت الذي هو أفقه من هذا و قد روينا معناه مسندا قيل: يا رسول الله رجل حسن اليقين كثير الذنوب و رجل مجتهد في العبادة قليل اليقين: فقال ما من آدمي إلا و له ذنوب و لكن من كانت غريزته العقل و سجيته اليقين لم تضره الذنوب لأنه كلما أذنب تاب و استغفر و ندم فتكفر ذنوبه و يبقى له فضل يدخل به الجنة. و روينا في حديث أبي أمامة عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم و من أقل ما أوتيتم اليقين و عزيمة الصبر و من أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل و صام النهار، و في وصية لقمان لابنه: يا بني لا يستطاع العلم إلا باليقين و لا يعمل المرء إلا بقدر يقينه و لا يقصر عامل حتى يقصر يقينه و قد يعمل الضعيف إذا كان متيقنا أفضل من العمل القوي الضعيف في يقينه و من يضعف يقينه تغلبه المحقرات من الإثم. و قد كان يحيى بن معاذ يقول: إن للتوحيد نورا و للشرك نارا و إن نور التوحيد أحرق لسيّئات الموحدين من نار الشرك لحسنات المشركين. و اليقين على ثلاث مقامات: يقين معاينة و هذا لا يختلف خبره فالعالم به خبير و هو للصديقين و الشهداء، و يقين تصديق و استسلام و هذا في الخبر و العالم به مخبر مسلم و هذا يقين المؤمنين و هم الأبرار منهم الصالحون و منهم دون ذلك كقوله تعالى جده: وَ ما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَ تَسْلِيماً [الأحزاب: ٢٢]. و قد يضعف هؤلاء بعدم الأسباب و نقصان المعتاد و يقوون بوجودها و جريان العادة و يحجبون بنظرهم إلى الأواسط و يكاشفون بها و يجعلون مزيدهم و أنسهم بالخلق و يكون نقصهم و وحشتهم بفقدهم و يكون من هؤلاء الاختلاف و يتلوّنون بالخلاف لتلوين الأشياء و تغيرها نقصها.