قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٠٧ - شرح مقام الخوف و وصف الخائفين و هو الخامس من مقامات اليقين
المآل و أعادت الأحكام على من أظهر بها و جعل لها ممن حقّت عليه الكلمات و جعل نصيبه من معاني هذه السريرة من الصفات فيؤدي ذلك منّا إلى كشف باطن الأوصاف، و هذا غير مأمور به و لا مأذون فيه، لأنه لا يجب فلم يؤمر به، و لأنه لم يبح فلم يؤذن فيه، و هو من سرّ القدر و قد نهي عن إفشائه في غير خبر و لو لم يطلع الأولياء عليه لما قيل: فلا تفشوه. فإن أقام الله تعالى عبدا مقام هذه المشاهدة أغناه بالمعاينة عن الخبر، و آنسه بالمحادثة عن الأثر، و ذلك هو العلم النافع الذي يكون العلّام معلّمه، و ذلك هو الأثر اللازم الذي يكون الجاعل مؤثره. وَ من يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ من حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَ من يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]. فالكتب الذي لا يمحي ما كان من نوره و العين التي لا تخفى لأنها بحضوره و النور الذي لا يطفأ لأنه من روحه و الروح الذي لا كرب فيه لأنه من ريحانه و المدد الذي لا ينقطع فمن روحه. و قد كتب و أيد و كل كتاب بيد مخلوق فغير محفوظ و قد يضيع و كل أيد بغير روحه فمقطوع و ما كتبه الصانع بصنعه في قلب حفيظ فمثبت عتيد. و قد روينا عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢٢]. قال: قلب المؤمن و قال آخر في قوله: وَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ [الطور: ٤] قلب العارف. و قال بعض أهل المعرفة: في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ [النور: ٣٦] قلوب المقرّبين رفعت إلى وصف الخالق عن ذكر المخلوقين و يذكر فيها اسمه بالتوحيد على تجريد الوحدانية عن شهادة الأحدية. و قد كان أبو محمد سهل رحمه الله تعالى يقول: الصدر هو الكرسي و القلب هو العرش و الله تبارك و تعالى واضح عليه عظمته و جلاله، و هو مشهود بلطفه و قربه. فصدر المؤمن أوّله صمدية و آخره روحانية و أوسطه ربوبية، فهو صمديّ روحانيّ ربانيّ و قلبه أوله قدرة و آخره برّ، و أوسطه لطف. فإذا كان كذلك فهو مشكاة فيها مصباح يرى به الزجاج كأنها كوكب دريّ تشهد به الآلاء، فهو مرآة جسدي يرى فيرى به الوجه و يجده عنده كما يراه به من وراء مرآة مشاهدة من قلب موقن بعين يقين. يشهد الصدر الكرسي و القلب العرش و الله تعالى عليه. و لا يحلّ للعلماء أيضا كشف علامات سوء الخاتمة فيمن رأوها فيه من العمال لأن لها علامات جليّة عند المكاشفين بها و أدلة خفيّة عند العارفين المشرف بهم عليها، و لكنها من سر المعبود في العبد خبيئة و خبأة في خزائن النفوس لم يطلع عليها إلا الأفراد