قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٠١ - الفصل التاسع و العشرون فيه ذكر أهل المقامات من المقربين و تمييز أهل الغفلة المبعدين
الفصل التاسع و العشرون فيه ذكر أهل المقامات من المقربين و تمييز أهل الغفلة المبعدين فإذا كان العبد يوصف ما ذكرنا كان كما قال الله تعالى: وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ راعُونَ. وَ الَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ [المعارج: ٣٢- ٣٣] و قال بعض العارفين: عمر العبد أمانة الله تعالى عنده يسأله عند موته، فإن كان فرط فيه ضيع أمانة الله تعالى و ترك عهده، و إن راعى أوقاته فلم تخرج ساعة إلا في طاعة الله حفظ أمانته و وفى بعهده فله الوفاء من الله على الوفاء. كما قال سبحانه و تعالى: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة: ٤٠] أي في تضييع العهد و في ترك الوفاء و كما قال تعالى: أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ [هود: ١٧] أي شهد مقام الله تعالى منه بالبيان فقام بشهادة الإيقان فليس هذا كمن زين له سوء عمله و اتبع هواه فآثره على طاعة مولاه بل هذا قائم بشهادته متبع لشهيده مستقيم على محبة معبوده و كان كمن وصف في قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخافُونَ عَذابَهُ و كمن مدحه بحقيقة الإيمان في قوله تعالى: وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [الأنفال: ٢] أي علامته و دلائله وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي به يثقون و إليه ينظرون و عليه في كل حال يعتمدون و لديه من كل شيء يطمئنون و عنده دون كل شيء يوجدون ثم قال سبحانه: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الأنفال: ٤] الآية. و ليس أهل الحقائق من المتوكلين الذين مدحهم الحق بالحق و أعد لهم الدرجات العلى، و الكريم من الرزق كمن ذكره بعدهم فقال: و إن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين لهم مع قوله ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا. فجعل حال هؤلاء وصفا مشبها لمقام أعدائه لما بقي عليهم من أ هوائهم و جعل مقام الصالحين بمعنى من وصفهم في الآية بحقيقة زهدهم فقال تعالى: وَ من يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى