قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٠٠ - ذكر المقام السابع من مشاهدة الموقنين
الطيبة بغير حساب و كشف له عن قلبه الحجاب فكانت المعرفة مقامه و قصرت عليه أيامه فكان وقته وقتا واحدا لواحد و كان قلبه واحدا لواحد و همه منفردا لمنفرد. و هذا حال الأبدال الذين هم من الرسل أمثال، و عددهم في الموقنين قليل و نصيبهم من اليقين وافر جليل، و هم المقربون و الصديقون و من علم ما ذكرناه على يقين فهو من الصالحين و من آمن به و لم يشك فيه لأهله إيمان تصديق فهو من الموقنين و من شهد منه شهادة يكون له منها مطالعات و زيادة فهو من الشاهدين و جميع ما ذكرناه من مراقبة المؤمنين و شهادة المقربين يدرك بأحد مقامين: من أقيم في أحدهما جمع له ذلك استقامة في توبة و عمل بعلم فمن كان مقامه التوبة و حاله الاستقامة رفع إلى شهادة المحبين و من كان مقامه العلم و حاله العمل بعلمه تحقق بنعت الخائفين و هما حالا العارف الدائم الوجد بقرب القائم بالشهادة بحضور الشهيد فأنفاسه و طرفاته صالحات و تصرفاته و آثاره حسنات و أفكاره و أذكاره مشاهدات فهو حاضر في تصريفه متيقظ في تقلبه و بهذا وصف العارف و الدائم الوجد و حدثت عن بعض هذه الطائفة أنه دخل على بعض المنقطعين إلى الله تعالى من أهل المراقبة فقال له: أحصيت من نعم الله تعالى عليّ في نوع واحد أربعة و عشرين ألف نعمة. قلت: و كيف ذلك؟ قال: حسبت أنفاسي في اليوم و الليلة فوجدتها أربعة و عشرين ألف نفس. و يقال: أن الطرفات ضعف ذلك لأن كل نفس طرفتان و سمعت أن الله عزّ و جلّ أوحى إلى بعض الأنبياء كيف تؤدي شكر نعمتي عليك ولي في كل شعرة نعمتان إن لينت أصلها و إن طمنت رأسها. و قال بعض العلماء: روي ذلك أيضا عن علي عليه السّلام: ليس شيء أعز من الكبريت الأحمر إلا ما بقي من عمر العبد. قال: و لا يعرف مقدار ما بقي من عمره إلا نبي أو صديق. و قال بعضهم: لا يعرف قدر ما بقي من عمره في العزة إلا من عرف ينبوع الكبريت الأحمر فإنه يقال: إنه عيون تنبع في الظلمات لا يعرفها إلا الأبدال و الكبريت الأحمر هو كيمياء الذهب الذي يعمل منه الذهب الخالص و إذا ألقى منه اليسير على كيمياء الذهب المستعمل ثبت على حاله و إلا استحال و تغير بعد سنين و لا أعلم ذكر عن النبي صلّى الله عليه و سلم الكبريت الأحمر إلا في حديث علي عليه السلام الذي وصف فيه الأبدال فذكر عدتهم و نعمتهم و قال في آخر وصفهم: هم في أمتي أعز من الكبريت الأحمر و لا ذكر الذهب الإبريز إلا في حديث الابتلاء. إن الله تعالى يجرب عبده بالبلاء كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز و منهم من يخرج أسود محترقا و منهم من يخرج بين ذلك.