قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٠٣ - شرح مقام الخوف و وصف الخائفين و هو الخامس من مقامات اليقين
يقول: وددت أني شجرة تعضد. و طلحة و الزبير رضي الله عنهما يقولان: وددنا أنّا لم نخلق. و عثمان رضي الله عنه يقول: وددت أني إذا متّ لا أبعث. و عائشة رضي الله عنها تقول: وددت أني كنت نسيا منسيا. و ابن مسعود رضي الله عنه يقول: ليتني أني أكون رمادا، و في رواية عنه: ليتني كنت بعرة، ليتني لم أك شيئا في طبقة يكثر عدهم و نحن في ارتكاب الكبائر و نحدث نفوسنا بالدرجات العلى و القرب من سدرة المنتهى، و نسينا أن أبانا آدم صلوات الله عليه أخرج من الجنة بعد أن دخلها بذنب واحد و نحن لم نرها بعد فإنما نضرب في حديد بارد. و روينا في خبر أن رجلا من أهل الصفة استشهد فقالت أمه هنيئا فقالت أمه هنيئا لك عصفور من عصافير الجنة هاجرت إلى رسول الله صلّى الله عليه و سلم و قتلت في سبيل الله تعالى فقال النبي صلّى الله عليه و سلم: و ما يدريك فلعله كان يتكلم فيما لا يعنيه و يمنع ما لا يضرّه. و في حديث آخر بمثل هذه القصة أنه دخل على بعض أصحابه و هو عليل، فسمع أمه تقول هنيئا لك الجنة. فقال: من هذه المتألية على الله عزّ و جلّ فقال الرجل: هي أمي يا رسول الله فقال: و ما يدرك لعل فلانا كان يتكلم بما لا يعنيه و يبخل بما لا يغنيه. و روينا بمثل معنى هذا أن النبي صلّى الله عليه و سلم صلّى على طفل منفوس، ففي راوية: إنه سمع يقول في دعائه: اللّهم قه عذاب القبر و عذاب جهنم و في رواية: ثانية: إنه سمع قائلة تقول: هنيئا لك عصفور من عصافير الجنة. فغضب و قال: ما يدريك؟ إنه كذلك و الله. إني رسول الله و ما أدري ما يصنع بي. إن الله عزّ و جلّ خلق الجنة و خلق لها أهلا و خلق النار و خلق لها أهلا لا يزاد فيهم و لا ينقص منهم. و قد قاله رسول الله صلّى الله عليه و سلم في جنازة عثمان بن مظعون، و كان من المهاجرين الأول و استشهد لما قالت أم سلمة رضي الله عنها ذلك، و كانت تقول: و الله لا أزكي أحدا بعد عثمان رضي الله عنه. و أعجب من ذلك أنّا روينا عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه أنه قال: و الله لا أزكي أحدا غير رسول الله صلّى الله عليه و سلم و لا أبي الذي ولدني قال: فتكلمت الشيعة. فأخذ يذكر من فضائل عليّ كرّم الله وجهه و مناقبه، فهذه المعاني أحرقت قلوب الخائفين و لعل ذكر البعد في الأبعاد الذي شيب الحبيب القريب في قوله صلّى الله عليه و سلم: شيّبتني هود و أخواتها و سورة الواقعة و إذا الشمس كوّرت و عمّ يتساءلون لأن في سورة هود أَلا بُعْداً لِثَمُودَ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ [هود: ٦٠] أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ. و في سورة الواقعة: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ [الواقعة: ٢] يعني وقعت السابقة لمن سبقت له و حقّت الحاقة بمن حقّت عليه خافِضَةٌ رافِعَةٌ خفضت قوما في الآخرة كانوا مرفوعين في الدنيا حين ظهرت الحقائق و كشفت عواقب الخلائق،