قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٣٤ - الفصل الحادي و الثلاثون
الفصل الحادي و الثلاثون فيه كتاب العلم و تفضيله و أوصاف العلماء و ذكر فضل علم المعرفة على سائر العلوم و كشف طرق العلماء من السلف الصالح و ذكر بيان تفضيل علوم الصمت و طريق الورعين في العلم و الفرق بين العلم الظاهر و الباطن و بين علماء الدنيا و الآخرة و فضل أهل المعرفة على علماء الظاهر و ذكر علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا و وصف العلم و طريق التعليم و ذم ما أحدثه المتأخرون من القصص و الكلام و باب ذكر ما أحدث الناس من القول و الفعل فيما بينهم مما لم يكن عليه السلف و بيان فضل الإيمان و اليقين على سائر العلوم و التحذير من الرأي. و ذكر معنى قول النبي صلّى الله عليه و سلم طلب العلم فريضة على كل مسلم و في الحديث الآخر اطلبوا العلم و لو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم. قال عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله: أراد بذلك علم حال يعني علم حال العبد من مقامه الذي أقيم فيه بأن يعلم أحدكم حاله الذي بينه و بين الله عزّ و جلّ في دنياه و آخرته خاصة فيقوم بأحكام الله تعالى عليه في ذلك. و قال بعض العارفين معناه طلب علم المعرفة و قيام العبد بحكم ساعته و ما يقتضي منه في كل ساعة من نهاره. و قال بعض علماء الشام إنما عنى به طلب علم الإخلاص و معرفة آفات النفس و وساوسها و معرفة مكايد العدو و خدعه و غروره و ما يصلح الأعمال و يفسدها فريضة كله من حيث كان الإخلاص في الأعمال فريضة و من حيث أعلم بعداوة إبليس ثم أمر بمعاداته و ذهب إلى هذا القول عبد الرحيم ابن يحيى الأرموي و من تابعه. و قال بعض البصريين في معناه: طلب علم القلوب و معرفة الخواطر و تفصيلها فريضة لأنها رسل الله تعالى إلى العبد و وسواس العدوّ و النفس فيستجيب للَّه تعالى بتنفيذ ما منه إليه و منها ابتلاء الله تعالى للعبد و اختبار تقتضيه مجاهدة نفسه في نفيها و لأنها أول النية التي هي أول كل عمل و عنها تظهر الأفعال و على قدرها تضاعف الأعمال فيحتاج أن يفرق بين لمة الملك و لمة العدوّ و بين خاطر الروح و وسوسة النفس و بين علم اليقين و قوادح العقل ليميز بذلك الأحكام. و هذا عند هؤلاء فريضة و هو مذهب مالك بن دينار و فرقد السنجي و عبد الواحد بن زيد و أتباعهم من النساك و قد كان أستاذهم الحسن البصري يتكلم في ذلك و عنه حملوا علوم القلوب. و قال عباد أهل الشام معناه