قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٣٥ - الفصل الحادي و الثلاثون
طلب علم الحلال فريضة إذ قد أمر الله تعالى به و أجمع المسلمون على تفسيق آكل الحرام. و قد جاء في خبر مفسر طلب الحلال فريضة بعد الفريضة و مال إلى هذا القول إبراهيم بن أدهم و يوسف بن أسباط و وهيب بن الورد و حبيب بن حرب. و قال بعض هذه الطائفة من أهل المعرفة: معناه طلب علم الباطن فريضة على أهله قالوا و هذا مخصوص لأهل القلوب ممن استعمل به و اقتضى منه دون غيره من عوام المسلمين و لأنه جاء في لفظ الحديث: تعلموا اليقين فمعناه اطلبوا علم اليقين و علم اليقين لا يوجد إلا عند الموقنين و هو من أعمال الموقنين المخصوص في قلوب العارفين و هو العلم النافع الذي هو حال العبد عند الله تعالى و مقامه من الله تعالى كما شهد له الخبر الآخر في قوله صلّى الله عليه و سلم: و علم باطن في القلب و هو العلم النافع فهذا تفسير ما أجمل في غيره. و قال جندب: كنا مع رسول الله صلّى الله عليه و سلم فيعلمنا الإيمان ثم يعلمنا القرآن فازددنا إيمانا و سيأتي زمان قوم يتعلمون القرآن قبل الإيمان يعين تعلمنا علم الإيمان و هذا مذهب نساك أهل البصرة. و قال بعض السلف: إنما معناه طلب علم ما لم يسع جهله من علم التوحيد و أصول الأمر و النهي. و الفرق بين الحلال و الحرام إذ لا غاية لسائر العلوم بعد ذلك و كلها يقع عليه اسم علم من حيث هي معلومات ثم قد أجمعوا أن ليس تعليم ما زاد على ما ذكرناه فرضا و إنما فيه فضل أو ندب. و قال بعض فقهاء الكوفة: معناه طلب علم البيع و الشراء و النكاح و الطلاق و إذا أراد الدخول فيه افترض عليه مع دخوله في ذلك طلب علمه لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يتجر في سوقنا هذا إلا من تفقه و إلا أكل الربا شاء أم أبى و كما قيل تفقه ثم اتجر و مال إلى هذا سفيان الثوري و أبو حنيفة و أصحابهما. و قال بعض المتقدمين من علماء خراسان: هو أن يكون الرجل في منزله فيريد أن يعمل شيئا من أمر الدين أو يخطر على قلبه مسألة الله سبحانه و تعالى فيها حكم و تعبد و على العبد في ذلك اعتقاد أو عمل فلا يسعه أن يسكت على ذلك و لا يجوز له أن يعمل فيه برأيه و لا يحكم بهواه فعليه أن يلبس نعليه و يخرج فيسأل عن أعلم أهل بلده فيسأله عن ذلك عند النازلة فهذا فريضة و حكي هذا القول عن ابن المبارك و بعض أصحاب الحديث. و قال آخرون: يعني طلب علم التوحيد فرض و إنما اختلفوا في كيفية الطلب و ماهية الإصابة. فمنهم من قال من طريق الاستدلال و الاعتبار، و منهم من قال من طريق البحث و النظر، و منهم من قال من طريق التوفيق و الأثر. و قالت طائفة من هؤلاء: إنما أراد طلب علم الشبهات و المشكلات إذا سمعها العبد و ابتلى بها و قد كان يسعه ترك الطلب إذا كان غافلا عنها على أصل التسليم و معتقد جملة المسلمين لا يقع في وهمه و لا يحيك في