قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤١٤ - شرح مقام الخوف و وصف الخائفين و هو الخامس من مقامات اليقين
الآخر فيقول لأنت و أنت، و لعله لا يخلى منه بشيء، و قد سخط الله تعالى عليه، يعني به التزكية لما لا يعلم، و المدح لمن يستحق الذم، و اختلاف قلبه و لسانه، ففي هذا مقت من الله تعالى. و فوق هذه المخاوف سلب الإيمان الذي هو عندك في خزانة المؤمن، يظهره كيف شاء، و يأخذه متى شاء، لا يدري أهبة وهبه لك فيبقيه عليك لكرمه؟ أو وديعة و عارية أودعك إياه و أعارك هو؟ فيأخذه إذا لا محالة لعدله و حكمته، و قد أخفى عنك حقيقة ذلك، و استأثر بعاقبته. و قال بعض العارفين: إنما قطع بالقوم عند الوصول مع الخاتمة: و قال آخر: و اخطراه كما قال أبو الدرداء و حلف: ما أحد أمن من أن يسلب إيمانه إلا سلبه، أ فرأيت الوقت الذي قال حذيفة: يأتي على القلب ساعة فيمتلئ نفاقا حتى لا يكون فيه للإيمان مغرز إبرة، إن صادف الموت ذلك الوقت و كان هو آخر وقت، أ ليس تخرج روحه على النفاق. و كذلك تقليبات القلوب في معاني الشرك و تلويحات الشك إن وافق وقت الوفاة كان خاتمته عند لقاء مولاه، و إنما سميت الخاتمة لأنها آخر عمله و آخر ساعة من العمر، و خاتم الشيء آخره و من ذلك قوله تعالى: وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠] أي آخرهم، و مثله: خِتامُهُ مِسْكٌ [المطففين: ٢٦] و خاتمه مسك أي آخر الكأس، بدلا من الثفل يكون مسكا. و من المخاوف خوف قطع المزيد من علم الإيمان مع بقية المعرفة المبتدأة ليكون مستدرجا بها كما قال بعض العلماء: إن الله تبارك و تعالى إذا أعطى عبدا معرفة فلم يعامله بها لم يسلبه تلك المعرفة و لكن بقاؤها فيه حجة عليه ليحاسبه على قدرها و إنما يقطع عنه المزيد و قد يقسي قلبه و تجري عينه و ذلك من النقصان الذي لا يعرفه إلا أهل التمام لأنه يمنعه منه ما ينفعه عنده و يعطيه ما يغترّ به و يفتتن عند الخلق لأن عين الوجه من الملك للدنيا و عين القلب من الملكوت للآخرة و قال مالك ابن دينار: قرأت في التوراة: إذا استكمل العبد النفاق ملك عينيه فيبكي متى شاء و قد كانوا يستعيذون باللّه عزّ و جلّ من بكاء النفاق و هو أن يفتح للعبد ألوان البكاء و يغلق عنه باب الذل و الخشوع. و قد قال الله عزّ و جلّ: وَ جاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ [يوسف: ١٦] و كان السلف أيضا يقولون: استعيذوا باللّه من خشوع النفاق قيل: و ما هو؟ قال: أن تبكي العين و القلب قاس فلأن يعطي الإنسان رقة القلب في جمود عين خير من أن يعطي دموع عين في قسوة