قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤١٢ - شرح مقام الخوف و وصف الخائفين و هو الخامس من مقامات اليقين
و خوف حجاب اليقظة بالغفلة، و خوف حدوث الفترة بعد الاجتهاد عن المعاملة، و خوف وهن العزم بعد القوّة و خوف نكث العهد بنقض التوبة، و خوف الوقوع في الابتلاء بالسبب الذي وقعت منه التوبة، و خوف عود الاعوجاج عن الاستقامة، و خوف العادة بالشهوة و خوف الحور بعد الكور، و هو الرجوع عن الحجة إلى طريق الهوى و حرث الدنيا و خوف اطلاع الله تعالى عليهم عند ما سلف من ذنوبهم و نظره إليهم على قبيح فعلهم فيعرض عنهم و يمقتهم و هذه كلها مخاوف و طرقات لأهل المعارف و بعضها أعلى من بعض و بعضهم أشد خوفا من بعض. و يقال: إن العرش جوهرة يتلألأ ملء الكون فلا يكون للعبد وجد في حال من الأحوال إلا طبع مثاله في العرض على الصورة التي يكون عليها العبد فإذا كان يوم القيامة و وقف للمحاسبة أظهرت له صورته من العرش فرأى نفسه على هيئته التي كان في الدنيا فذكر فعله بمشاهدته نفسه فيأخذه من الحياء و الرعب ما يجلّ وصفه. و يقال: إن الله سبحانه إذا أعطى عبدا معرفة ثم لم يعامله بها لم يسلبه إياها، بل أبقاها عليه ليحاسبه على مقدارها، و لكن يرفع عنه البركة و يقطع عنه المزيد. و قد ذم الله تعالى عبدا أوجد له نعمة استعمله بها صالحا بعد أن كان قد ابتلاه بهواه ففخر الآن بعمله و نسي ما قدمت يداه، و لم يخف أن يعيده فيما قد كان جناه في قوله تبارك و تعالى: وَ لَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ [هود: ١٠]. و من المخاوف خوف النفاق، و قد كان السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم و خيار التابعين يخافون ذلك. كان حذيفة رضي الله عنه يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلّى الله عليه و سلم يصير بها منافقا حتى يلقى الله تعالى، إني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات. و كان يقول: تأتي على القلب ساعة يمتلئ بالإيمان حتى لا يكون للنفاق فيه مغرز إبرة. و يأتي عليه ساعة يمتلئ بالنفاق حتى لا يكون للإيمان فيه مغرز إبرة. و كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و سلم يقولون: إنكم لتعلمون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلّى الله عليه و سلم من الكبائر و في لفظ آخر: من الموبقات. و قد كان الحسن رحمه الله يقول: لو أني أعلم أني بريء من النفاق كان أحب إلي