قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٩٧ - ذكر المقام السادس من مشاهدة المقربين
بالسابقة لهم و عليهم فهو الحق سبقت لهم منا الحسني حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون و سقط ما دونها و قد قيل إنما يوزن من الأعمال خواتيمها و الخواتم من السوابق و ما بينهما زاهق و الوزن يومئذ الحق ما سبق من العدل و الصدق و تمت كلمة ربك صدقا لأوليائه و عدلا على أعدائه ألا له الخلق و الأمر. ذكر المقام السادس من مشاهدة المقربين الخيرات هي من ثمرات الإيمان، و الصالحات هي مقتضى اليقين، و اللعب مقتضى الشك، و السمع و البصر وصفان للمتقين، و العمى و الصمم وصفان للشك. تنتظم هذه المعاني في قول الله تعالى: قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ به إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٩٣]، فدل أن الإيمان يأمر المؤمنين بالبر و التقوى و قوله تعالى مخبرا عمن أيقن فسمع و أبصر فينال العمل الصالح: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة: ١٢]. و قوله تعالى في وصف اللاعبين: بَلْ هُمْ في شَكٍّ يَلْعَبُونَ [الدخان: ٩]. ثم ذكر حالهم لعدم اليقين فقال تعالى: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَ ما كانُوا يُبْصِرُونَ [هود: ٢٠] لأنهم لم يكونوا موقنين. فلما جاءهم اليقين و هو المعاينة أبصروا و سمعوا فقالوا: و كنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فوصفهم بشدة السمع و البصر حينئذ لما أيقنوا فقال عزّ و جلّ: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا [مريم: ٣٨] أي ما أسمعهم و أبصرهم اليوم لما جاءونا فرأوا ما عندنا و هذا للمبالغة في الوصف كما تقول: أكرم و أعظم به أي: ما أكرمه و أعظمه. فكذلك إذا أتيته اليوم و أنت موقن سمعت ما لم تسمع و أبصرت ما لم تر قبل ذلك و لكن شغلتك الأزواج التي خلق و الأشكال و الأشباه التي أظهر فتألهت إليها و وقفت معها و لو فررت منها إلى الله تعالى لفررت إلى خير مفر و لأواك عنده في أحسن مقر و قد أمرك بالفرار منها إليه لو قبلت و نهاك عن التأله إليها لو سمعت و بين لك النذارة لو فهمت و جعل ما خلق من الأزواج تذكرة به لو عرفت و رادة إليه لو أنك للذكر اتبعت و مشوقة إليه لو كنت لقربه أحببت أما سمعته يقول: وَ من كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩]، أي مثلين و شكلين لكي تذكروا الله بها و تشتاقوا إليه منها ثم قال: فَفِرُّوا إِلَى الله [الذاريات: ٥٠]، أي عنها بالزهد ثم قال: وَ لا تَجْعَلُوا مَعَ الله إِلهاً آخَرَ [الذاريات: ٥١]، أي لا تؤلهوا معه إلها و لا تشركوا بتألهكم إليه إياها فهذا فهم المقربين عن سمعهم بشهادة أبصار قلوبهم فعندها كان استجابتهم له كما قال: إنما يستجيب الذين يسمعون و قال: وَ يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ يَزِيدُهُمْ من فَضْلِهِ