قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٩٦ - ذكر المقام الخامس من مراقبة الموقنين من المقربين
و استسلموا و سلموا قلوبكم و نفوسكم و أموالكم في طاعته و عبادته وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ من رَبِّكُمْ [الزمر: ٥٥]، أي اتبعوا العزائم من الأمور و الفواضل من الأعمال فهو أحسن من الرخص و المباحات مثل الزهد و الورع و الخوف و الإيقان فهذا من أحسن ما أنزل إلينا من ربنا ثم قال تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ الله [الزمر: ٥٦]، فلما طال الكلام و أضمر معطوفه و بعد عاطفه للاختصار أشكل فهمه. و في القرآن ما هو أشد اختصارا و أبعد من هذا إضمارا كقوله تعالى: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧]، المعنى: فما الذي يحملك على التكذيب أيها الإنسان الذي خلقناه في أحسن تقويم بعد هذا البيان و البرهان بالدين بالغائبات و الكائنات من أمور الدين و الحسنات و الجزاء ثم أحكم ذلك بردّه إليه فقال: أَ لَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ [التين: ٨] و كذلك قوله: وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ من الدُّنْيا [القص ٧٧]، المعنى: لا تترك أن تعمل في الدنيا بأيامك هذه فتدرك نصيبك غدا من الآخرة في الدنيافإنك لا تدركه إلا فيها ثم أحكمه بقوله: وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ [القص ٧٧]، أي أحسن إلى نفسك و إلى إخوانك الفقراء كالذي أحسن إليك به من المال و الغنى، فبذلك تدرك نصيبك من الدنيا في الآخرة. ثم أخبر الله سبحانه الكل و حذرهم فقال: حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها [الأنعام: ٣١]، أي: يا ندامتنا على ما ضيعنا في الدنيا وفاتنا في الآخرة. و في الخبر: لا يموت أحد إلا بحسرة و ندامة إن كان مسيئا كيف لم يحسن و إن كان محسنا كيف لم يزدد و ذلك أن الله تعالى جعل أهل السلامة و النجاة طبقتين بعضهم أعلى من بعض و جعل أهل الهلكة طبقة واحدة بعضهم أسفل من بعض فكان صاحب الشمال يتحسر كيف لم يكن من أصحاب اليمين لقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ [المدثر: ٣٨- ٣٩] و صاحب اليمين يتحسر كيف لم يكن من المقربين و الصالح من المقربين يتمنّى أن يكون من الشهداء و الشهيد يودّ أنه من الصديقين فهو يوم الحسرة الذي أنذر به أهل الغفلة فكيف بهم في ذلك اليوم إذا كانوا اليوم أمواتا و لم يكن له حسنة فإني لهم النذارة و التذكرة كما قال: وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ هُمْ في غَفْلَةٍ [مريم: ٣٩]. و قد قال: لِيُنْذِرَ من كانَ حَيًّا [يس: ٧٠]. كما قال: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ من يَخْشاها [النازعات: ٤٥] إِنَّما تُنْذِرُ من اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ، و قال تعالى: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: ٢٢]، يعني إلى ما قدمت و قيل حديد إلى لسان الميزان تخاف النقصان و قال تعالى: وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق: ١٩] قيل