قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٥٩ - شرح مقام الشكر و وصف الشاكرين و هو الثالث من مقامات اليقين
بسكينة من الله تعالى و تصبر عليه بقوة به عزّ و جلّ و عناية منه: وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل: ١٢٧]. و هذا آخر شرح مقامات الصبر. شرح مقام الشكر و وصف الشاكرين و هو الثالث من مقامات اليقين قال الله تعالى: ما يَفْعَلُ الله بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ [النساء: ١٤٧] فقرن الشكر بالإيمان و رفع بوجودهما العذاب. و قال تعالى: وَ سَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٥]. و روي عن النبي للَّه أنه قال: الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر. و قال ابن مسعود رضي الله عنه: الشكر نصف الإيمان. و قد أمر الله تعالى بالشكر و قرنه بالذكر في قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ [البقرة: ١٥٢]. قد عظم الذكر بقوله: وَ لَذِكْرُ الله أَكْبَرُ فصار الشكر أكبر لاقترانه به و رضا الله تعالى بالشكر مجازاة من عباده لفرط كرمه لأن قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي [البقرة: ١٥٢] خروج من لفظ المجازاة لتحقيق الأمر و تعظيم الشكر لأن الفاء للشرط و الجزاء و الكاف المتقدمة للتمثيل. فقوله تعالى: فاذكروني متصل بقوله: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ ... فَاذْكُرُونِي ... وَ اشْكُرُوا لِي [البقرة: ١٥١- ١٥٢]. و المعنى كمثل ما أرسلت فيكم رسولا منكم فاشكروا لي. و العرب تكتفي من مثل بالكاف كما اكتفت من سوف بالسين في قوله تعالى: سَنُؤْتِيهِمْ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ [الأعراف: ١٨٢] و هذا تفضيل للشكر عظيم لا يعلمه إلا العلماء بالله تعالى. و قد روينا في أخبار أيوب عليه السلام: إن الله تعالى أوحى إليه: إني رضيت بالشكر مكافأة من أوليائي في كلام طويل. و في أحد الوجوه من قوله عزّ و جلّ: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦]. قال: طريق الشكر، فلو لا أن الشكر طريق يوصل إلى الله تعالى لما عوّل العدو على قطعه و لو لا أن الشاكر حبيب ربّ العالمين ما نقصه إبليس اللعين في قوله تعالى: وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ [الأعراف: ١٧] و كذلك قال الله تعالى: وَ قَلِيلٌ من عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣]. كما قال تعالى: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً من الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: ٢٠]. و قد قطع الله تعالى بالمزيد مع الشكر و لم يستثن فيه و استثنى في خمسة أشياء: في الإغناء، و الإجابة، و الرزق، و المغفرة، و التوبة. فقال تعالى: فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله من فَضْلِهِ إِنْ شاءَ [التوبة: ٢٨] و قال تعالى: فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ [الأنعام: ٤١]. و قال تعالى: يَرْزُقُ من يَشاءُ [البقرة: ٢١٢] وَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ [المائدة: ٤٠]. و قال عزّ و جلّ: ثُمَّ يَتُوبُ الله من بَعْدِ ذلِكَ عَلى من يَشاءُ