قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٧٤ - شرح مقام الشكر و وصف الشاكرين و هو الثالث من مقامات اليقين
وهب أيضا و أنعم به من المعرفة بذلك و المعونة عليه، و الحياء من تتابع النّعم هو من الشكر و المعرفة بالتقصير عن الشكر شكر، و الاعتذار من قلة الشكر شكر، و المعرفة بعظيم الحلم و كثيف الستر شكر، و الاعتراف بما أعطى من حسن الثناء و جميل النشر أنه من النّعم من غير استحقاق من العبد بل هو مضاف إلى نعمه بل هو من الشكر، و حسن التواضع بالنّعم و التذلّل فيها شكر، و شكر الخلق بالدعاء لهم و حسن الثناء عليهم لأنهم ظروف العطاء و أسباب المعطى تخلّقا بأخلاق المولى جلّ و علا هو من الشكر، و قلة الاعتراض و حسن الأدب بين يدي المنعم شكر، و تلقّي النّعم بحسن القبول و تكثير تصغيرها و تعظيم حقيرها من الشكر، لأن طائفة هلكت باستصغار الأشياء و استحقار وجود المنافع بها جهلا بحكمة الله تعالى و استصغار النعمة فكان ذلك كفرا بالنّعم. و من الناس من يقول إن الصبر أفضل من الشكر و ليس يمكن التفضيل بينهما عند أهل التحصيل من قبل أن الشكر مقام لجملة من المؤمنين و الترجيح بين جماعة على جماعة لا يصحّ من قبل تفاوتهم في اليقين في المشاهدات لأن بعض الصابرين أفضل من بعض الشاكرين لفضل معرفته و حسن صبره، و خصوص الشاكرين أفضل من عموم الصابرين لحسن يقينه و علوّ مشاهدته، و لكن تفضيل ذلك من طريق الأحوال و المقامات أنا نقول: و الله أعلم أن الصبر عن النعيم أفضل لأن فيه الزهد و الخوف، و هما أعلى المقامات و أن الشكر على المكاره أفضل لأن فيه البلاء و الرضا، و أن الصبر على الشدائد و الضرّاء أفضل من الشكر على النّعم و السرّاء من قبل أنه أشقّ على النفس و أن الصبر مع حال الغنى و المقدرة أن يعصى بذلك أفضل من الشكر على النّعم من قبل أن الصبر عن المعاصي بالنّعم أفضل من الطاعة بها لمن جاهد نفسه فيها، فإذا شكر على ما يصبر عليه فقد صار البلاء عنده نعمة، و هذا أفضل لأنها مشاهدة المقربين، و إذا صبر عمّا يشكر عليه من النّعم كان أفضل لأنها حال المجاهدة. و قد قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل يعني الأقرب شبها بنا فالأقرب. فرفع أهل البلاء إليه و وصف نفسه به و جعلهم الأمثل فالأمثل منه فمن كان برسول الله صلّى الله عليه و سلم أمثل كان هو الأفضل. و قد كان النبي صلّى الله عليه و سلم شاكرا على شدة بلائه كذلك الشاكر من الصابرين يكون أفضل لشكره على البلاء إذ هو الأقرب و الأمثل بالأنبياء، و كلّ مقام من مقامات المقرّبين يحتاج إلى صبر و شكر، و أحدهما لا يتمّ إلا بالآخر لأن الصبر يحتاج إلى شكر عليه ليكمل، و الشكر يحتاج إلى صبر عليه ليستوجب المزيد. و قد