قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٧٢ - شرح مقام الشكر و وصف الشاكرين و هو الثالث من مقامات اليقين
سالم من الشك و الشرك و السالم الصحيح المعافى و بوجود عافية اليقين في القلوب عدم الشك و النفاق و هي أمراض القلوب. كما قال تعالى: في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة: ١٠] قيل: شك و نفاق و عافية القلب أيضا من الكبائر كما قال تعالى: فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب: ٣٢] يعني الرياء. و يقال: ما من مصيبة إلا و للَّه تعالى فيها خمس نعم، أوّلها: أنها لم تكن في الدين و يقال كل مصيبة في غير الدين فهي طريق من الدين. و الثانية: إنها لم تكن أكبر منها، و الثالثة: أنها كانت مكتوبة عليه لا محالة فقد نفدت و استراح منها، و الرابعة: إنها عجّلت في الدنيا و لم تؤجل في الآخرة فتعظم على مقدار عذاب الآخرة، و الخامسة: أن ثوابها خير منها فإن المصيبة إذا كانت في أمر الدنيا فإنها طريق إلى الآخرة و عندنا في قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤] قيل: ظلوم بالتسخط كفّار بالمعاصي و بالنعم. و حدثت أن العباس رضي الله عنه لما توفي قعد ابنه عبد الله رضي الله عنه للتعزية فدخل الناس أفواجا يعزونه فكان فيمن دخل أعرابي فأنشده: اصبر نكن بك صابرين فإنما صبر الرعية بعد صبر الرأس خير من العباس أجرك بعده و الله خير منك للعباس فقال ابن عباس: ما عزّاني أحد تعزية الأعرابي و استحسن ذلك. و في قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [العاديات: ٦] قيل: هو الذي يشكو المصائب و ينسى النعم، و لو علم أن مع كل مصيبة عشر نعم بحذائها و زيادة قلت شكواه و بدّلها شكرا، ثم إن المصائب لا تخلو من ثلاثة أقسام كلها نعم من الله تعالى، إما أن تكون درجة و هذا للمقرّبين و المحسنين، و اما أن تكون كفّارة، و هذا لخصوص أصحاب اليمين و للأبرار، أو تكون هذا عقوبة و هذا للكافة من المسلمين. فتعجيل العقوبة في الدنيا رحمة و نعمة و معرفة هذه النعم طريق الشاكرين. و من أفضل النعم عند العلماء نعمة الإيمان ثم دوامه، لأن دوام الشيء نعمة ثانية لأنه بحكم ثان عن مشيئة ثانية لأن الإرادة منه تعالى بحكم الإظهار لا توجب دوام المظهر فكان الشيء يظهر بإرادته ثم يتلاشى كأن لم يكن إلا أن يحكم سبحانه و تعالى حكما ثانيا بنعمة ثانية بالثبات و الدوام إذ لو لم يرد دوام السموات و الأرض ما داما و لو لم يرد دوام ثبات الجبال ما ثبتت، كذلك لو لم يرد دوام الإيمان و ثباته في القلوب بعد الكتب لظهر بالكتب ثم انمحى و رجع القلب إلى الكفر لكنه أنعم نعما لا تحصى بدوامه و ثباته في القلب. و منه قوله تعالى: يَمْحُوا الله ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ