قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٤٠ - ذكر وصف الزاهد و فضل الزهد
ذكر وصف الزاهد و فضل الزهد قوت الزهد الذي لا بدّ منه و به تظهر صفة الزاهد و ينفصل به عن الراغب هو أن لا يفرح بعاجل موجود من حظّ النفس و لا يحزن على مفقود من ذلك و أن يأخذ الحاجة من كلّ شيء عند الحاجة إلى الشيء و لا يتناول عند الحاجة إلا سدّ الفاقة و لا يطلب الشيء قبل الحاجة، و أوّل الزهد دخول غمّ الآخرة في القلب ثم وجود حلاوة المعاملة للَّه تعالى و لا يدخل غمّ الآخرة حتى يخرج همّ الدنيا و لا تدخل حلاوة المعاملة حتى تخرج حلاوة الهوى. و كلّ من تاب من ذنب و لم يجد حلاوة الطاعة لم يؤمن عليه الرجوع فيه و كلّ من ترك الدنيا و لم يذق حلاوة الزهد رجع في الدنيا و لا يدخل حلاوة المعاملة حتى يخرج حلاوة الهوى و خالص الزهد إخراج الموجود من القلب، ثم إخراج ما خرج من القلب عن اليد و هو عدم الموجود على الاستصغار له و الاحتقار و التقالل لهوان الدنيا عنده و صغرها في عينه فبهذا يتم الزهد. ثم ينسى زهده في زهده فيكون حينئذ زاهدا في زهده لرغبته في مزهده، و بهذا يكمل الزهد، و هذا لبّه و حقيقته، و هو أعزّ الأحوال في مقامات اليقين، و هو الزهد في النفس لا الزهد لأجل النفس و لا للرغبة في الزهد للزهد، و هذه مشاهدة الصديقين. و زهد المقربين عند وجد عين اليقين. و دون هذا مقامات إخراج المرغوب فيه عن اليد مع نظره إليه و على مجاهدة النفس فيه، و هو زهد المؤمنين، و ذلك العمل بالزهد عقد و عمل إذ كان الزهد عن الإيمان، و الإيمان قول و عمل. و كذلك الزهد عقد و عمل، فعقده خروج حبّ الدنيا من القلب بدخول حبّ الآخرة في القلب، و العمل بالزهد إخراج المحبوب من اليد في سبيل الله تعالى معتاضا منه ما عنده سبحانه و تعالى من وجهه الكريم جلّ و تعالى أو قرب جواره في داره و إن لم تكن الدنيا موجودة فإن ترك الأسف عليها و قلة الحرص فيها، و ترك الطلب و التمنّي لها، و سكون القلب مع العدم و رضاه بيسير القسم بحسب للعبد زهدا لأن ذلك حال الفقير. فإذا قام بحكمه لم يجب عليه أكثر من القيام به، و الورع هو من الزهد كما الزهد من الإيمان و الحياء و الإيمان في قرن واحد. كما جاء في الخبر إذا نزع أحدهما تبعه الآخر. و روينا في ذلك حديثا من طرق أهل البيت: الزهد و الورع يجولان في القلب كل ليلة، فإن صادفا قلبا فيه الإيمان و الحياء أقاما فيه و إلا ارتحلا. و القناعة باب من الزهد أيضا، و الرضا باليسير من الأشياء حال من الزهد و التقلّل في الأشياء مفتاح الزهد. و قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: قد حجبت قلوبنا بثلاثة أعطية فلن يكشف للعبد اليقين حتى ترفع هذه الحجب الفرح بالموجود و الحزن على المفقود و السرور بالمدح. فإذا فرحت بالموجود