قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٤٢ - ذكر وصف الزاهد و فضل الزهد
مؤمنون. قال: و ما علامة إيمانكم؟ فذكروا الصبر على البلاء و الشكر عند الرخاء و الرضا بمواقع القضاء و ترك الشماتة بالمصيبة إذا نزلت بالأعداء فقال عليه الصلاة و السلام: إن كنتم كذلك فلا تجمعوا ما لا تأكلون و لا تبنوا ما لا تسكنون و لا تنافسوا فيما عنه ترحلون، فهذا هو الزهد جعله تكملة إيمانهم و علوّ مقامهم و تماما على إحسانهم و أعظم من هذه كلّها الخبر الرابع الذي جعل فيه رسول الله صلّى الله عليه و سلم الزهد من شرط إخلاص التوحيد في حديث رويناه عن ابن المنكدر عن جابر قال: خطبنا رسول الله صلّى الله عليه و سلم فقال: من جاء بلا إله إلا الله لا يخلط معها غيرها وجبت له الجنة. فقام إليه عليّ كرّم الله وجهه فقال: بأبي أنت و أمي يا رسول الله ما لا يخلط بها غيرها صفه لنا فسّره لنا فقال: حبّ الدنيا و طلبا لها و اتباعا لها و قوم يقولون قول الأنبياء، و يعملون أعمال الجبابرة. فمن جاء بلا إله إلا الله ليس شيء فيها من هذا وجبت له الجنة. فلذلك كان علي رضي الله عنه يجعل الزهد مقاما في الصبر، و يجعل الصبر عمدة الإيمان في حديثين رويناهما عنه، أوّلهما قوله في الحديث الطويل الذي رواه عكرمة و عتبة بن حميد و الحرث الأعور و قبيصة بن جابر الأسدي في مباني الإيمان أنه قال: الإيمان على أربع دعائم، على الصبر، و اليقين، و العدل، و الجهاد. ثم قال فيه: و الصبر منها على أربع شعب، على الشوق، و الشفق، و الزهادة، و الترقب. فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، و من أشفق من النار رجع عن المحرّمات و من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، و من ترقّب الموت سارع في الخيرات. و الخبر الآخر في الصبر الذي جعله عمود الإيمان ينهدم الإيمان بهدمه هو قوله: و الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، لا جسد لمن لا رأس له، و لا إيمان لمن لا صبر له. و روينا في خبر مقطوع: السخاء من اليقين و لا يدخل النار موقن، و البخل من الشك و لا يدخل الجنة من شك. فكان هذا الحديث مفسّرا للخبر المجمل السخيّ. قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار. و البخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، قريب من النار. فسرّ في ذلك الخبر بأيّ معنى يكون السخيّ قريبا من الله تعالى، قريبا من الجنة لأن السخاء من اليقين و بأيّ معنى يكون البخيل بعيدا من الله تعالى، قريبا من النار لأن البخل من الشك. فالسخاء وصف الزاهد و لا يكون الزاهد إلا سخيّا. و البخل وصف الراغب. و لا يكون الحريص إلا بخيلا و لا يكون البخيل زاهدا لأن الزهد يدعو إلى إخراج الشيء، و البخل يدعو إلى إمساكه. فنفس السخاء زهد. فلذلك ذمّ البخل لأنه رغبة في الدنيا. ثم إن الحرص علامة البخل لأنه دليل الرغبة، و القناعة علامة السخاء لأنها باب الزهد، فلذلك قيل: سخاء النفس عمّا في أيدي النفس أفضل من سخاء