قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٤٣ - الفصل الثالث و العشرون فيه كتاب محاسبة النفس و مراعاة الوقت
بثلاث فقال: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: ٢] أي لفي خسران و نقص بفوت أوقاته و فقد أرباحه. ثم استثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: ٣]. و قال في الوصف الثالث: وَ تَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [البلد: ١٧] و اتباع الحق بمخالفة الهوى فيه الصلاح، إذ في موافقة الهوى الفساد، و الصبر قوام الأمر، و بمقداره يكون الريح و الرحمة للخلق باب الرحمة من الخالق و مفتاح حسن الخلق و معها حسن الظن و سلامة القلب و عندها ينتفي الحسد و الغل و يوجد التواضع و الذل، و هذا وصف أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و سلّم الذين اختارهم لصحبة نبيه عليه السلام و أنزل عليهم السكينة و أيدهم بروح منه فقال: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] و قال تعالى في حقيقة الرحمة: وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ من الرَّحْمَةِ [الاسراء: ٢٤] و قال في مثله عن وصف أحبابه لإخوانهم: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. فهذه الثلاثة مفاتيح رقة القلب و مغالق القسوة و في الرقة الإقبال على الله عزّ و جلّ و على الدار الآخرة و التيقظ لأمره و التفكّر في وعده و وعيده و في القسوة الإعراض و طول الغفلة فمحاسبة النفس تكون بالورع و موزنتها تكون بمشاهدة عين اليقين و التزين للعرض الأكبر يكون بمخافة الملك الأكبر و هو حقيقة الزهد. و روينا عن علي رضي الله عنه: أما بعد فإن المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته و يسوءه فوت ما لم يكن ليدركه. فما نالك من دنياك فلا تكترث به فرحا و ما فاتك منها فلا تتبعه نفسك أسفا و ليكن سرورك بما قدمت و أسفك على ما خلفت و شغلك لآخرتك و همك فيما بعد الموت. و قال أيضا: الهوى شريك العمى. و من التوفيق الوقوف عند الحيرة و نعم طارد الهم اليقين و عاقبة الكذب الذم و في الصدق السلامة. رب بعيد أقرب من قريب و غريب من لم يكن له حبيب و الصديق من صدق غيبه و لا يعدمك من حبيب سوء الظن، نعم الخلق التكرم و الحياء سبب إلى كل جميل و أوثق العرى التقوى و أوثق سبب أخذت به نفسك سبب بينك و بين الله عزّ و جلّ إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك و الرزق رزقان، رزق تطلبه و رزق يطلبك. فإن لم تأته أتاك و إن كنت جازعا على ما أتلفت من يديك فلا تجزعنّ على ما لم يصل إليك و استدلل على ما لم يكن بما كان فإن الأمور أشباه. و قال عبد الله بن عباس: لكل شيء آفة و آفة العلم النسيان و آفة العبادة الكسل و آفة اللب العجب و آفة الظرف الصلف و آفة التجارة الكذب و آفة السخاء التبذير. و آفة الجمال الخيلاء و آفة الدين الرياء و آفة الإسلام الهوى. و قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: آفة أمتي الدينار