قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٤٥ - الفصل الثالث و العشرون فيه كتاب محاسبة النفس و مراعاة الوقت
تراثهم كأنّا مخلدون بعدهم قد نسينا كل واعظة و أمنا كل جائحة. طوبى لمن شغله عيب نفسه عن عيوب الناس و أنفق من مال اكتسبه من غير معصية و رحم أهل الذل و المسكنة و خالط أهل الفقه و الحكمة، طوبى لمن أذل نفسه و حسنت خليقته و صلحت سريرته و عزل عن الناس شرّه، طوبى لمن عمل بعلمه و أنفق الفضل من ماله و أمسك الفضل من قوله و وسعته السنة و لم يعدها إلى بدعة. و قد روي عنه صلّى الله عليه و سلّم حديث جامع لهذه المعاني المبثوثة مختصر في اللفظ و المعنى يقال إنه نصف العلم و هو قوله من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. و ما لم يؤمر به العبد فرضا و لم يندب إليه فضلا و لا يحتاج إليه مباحا فهو مما لا يعنيه و في حديث آخر هو نصف الورع قوله صلّى الله عليه و سلّم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الإثم جوار القلوب أي دع ما تشكنّ فيه من قول أو فعل فإن فيه غنيمة أو سلامة إلى شيء أنت على يقين من الفضيلة فيه أو السلامة معه و ما حز في قلبك و لم ينشرح له فدعه فإن ذلك إثم و إن قل و دق. و قد روينا عنه صلّى الله عليه و سلّم في الوصف المبسوط من أوصاف المؤمنين كوصف الله تعالى أولياءه في الكلام المشروح أنه بينما هو جالس صلّى الله عليه و سلّم بين أصحابه إذ سجد فأطال ثم رفع رأسه مادّا يديه فقال: اللّهم أكرمنا و لا تهنا و زدنا و لا تنقصنا و أعزنا و لا تذلنا. قلنا: و ما ذاك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عليّ آيات من أقامها دخل الجنة ثم تلا علينا قد أفلح المؤمنون إلى آخر العشر. و روينا عنه في حديث مجمل أن رجلا سأله فقال: يا رسول الله متى أعلم أني من أهل الجنة. و في لفظ آخر أني مؤمن حقا. فقال: إذا كنت بهذه الأوصاف. ثم تلا عليه: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم إلى آخر النعوت. و روينا عنه صلّى الله عليه و سلّم في الوصف الجامع المختصر كوصف الحكيم الأكبر من صلح له من عباده بالإخلاص في التوحيد و العمل فقال صلّى الله عليه و سلّم: لو لم تنزل عليّ إلا هذه الآية كانت تكفي. ثم قرأ آخر سورة الكهف فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً [الكهف: ١١٠] إلى آخرها. فكان هذا أفصل الخطاب و بلاغا لأولي الألباب فالعمل الصالح الإخلاص في العبادة و نفي الشرك بالخلق هو اليقين بتوحيد الخالق. و قد قال الله و هو أحسن القائلين في وصف أوليائه الخائفين: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ من خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ. وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [المؤمنون: ٥٧- ٥٨] إلى قوله: وَ هُمْ لَها سابِقُونَ [المؤمنون: ٦١]. فوصفهم بسبع مقامات جامعات بالغات تنتظم بمقامات أهل المحاسبة و تستحوذ على معاني أحوال أهل المراقبة افتتحها بالخشية و الإشفاق و ختمها بالوجل و الإنفاق و جعل موجبها اليقين و هو الذي رجحت به موازين المتقين صيره آخر وصفهم و نهاية نعتهم و هو قوله تعالى: أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ