قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٨٨ - ذكر أحزاب القرآن و كيف حزبه الصحابة رضي الله عنهم
قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء فقال أو شيء أحب إليّ من القرآن أحدث نفسي به؟ و هذه صفة قوي مكين. و يقال إن في القرآن ميادين و بساتين و مقاصير و عرائس و ديابيج و رياضا و خانات. فالميمات ميادين القرآن و الراآت بساتين القرآن و الحاءات مقاصيره و المسبحات عرائس القرآن و الحواميم ديباج القرآن و المفصل رياضه و الخانات ما سوى ذلك. فإذا جال المريد في الميادين و قطف من البساتين و دخل المقاصير و شهد العرائس و لبس الديباج و تنزه في الرياض و سكن غرف الخانات اقتطعه و أوقفه ما يراه و شغله الشاهد به عما سواه. و روي عن النبي صلّى الله عليه و سلّم أنه قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فرددها عشرين مرة و كان له صلّى الله عليه و سلّم في كل ورده فهم، و من كل كلمة علم. فينبغي أن يكون قلب التالي بوصف كل كلمة يتلوها مشاهدا لمعناها إلى ما يفتح الله عزّ و جلّ له من المزيد عليها من مجاورتها و مع ما يفهم بها من غيرها و يشهد غيرها منها فقد كان بعضهم يقول: كل آية لا أفهمها و لا يكون قلبي فيها لم أعد لها ثوابا. و كان بعض السلف إذا قرأ السورة و لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية، فإذا مرّ بتسبيح و تكبير سبّح و كبّر، و إن مرّ بدعاء و استغفار دعا و استغفر، و إن مرّ بمخوف و مرجو استعاذ و سأل. فذلك معنى قوله عزّ و جلّ: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [البقرة: ١٢١]. و كذلك كان رسول الله صلّى الله عليه و سلّم في تلاوته و على هذا المعنى ما روي في الخبر من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد أي على معنى تلاوته لأنه كان يقرأ بقلب شهيد و سمع عتيد و بصر حديد فكان يتلو القرآن على معاني الكلام و على شهادة وصف المتكلم الوعيد منه بالتحزين و الوعد بالتشويق و الوعظ بالتخويف و الإنذار بالتشديد و التفسير بالترقيق و التبشير بالتوفيق لأنه كان عالما بصفات المتكلم واجد الذوق الكلم. فمثل هذا العبد أحسن الناس صوتا بالقرآن كما جاء في الخبر: أحسن الناس صوتا بالقرآن من إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله. و من هذا قيل إذا قرأتم القرآن فابكوا و إن لم تبكوا فتباكوا. و مثل هذا أن القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فتحازنوا أي أن القرآن لما فيه من التهديد و الوعيد و الوثائق و العهود يوجب البكاء و الحزن. فإن لم تحزنوا وجدا و لم تبكوا نفسا يقينا فتباكوا و تحازنوا لفظا لأجل التصديق و الإقرار به. فندبهم إلى التحازن في التلاوة و التباكي ليجتمع همّ العبد في المتلو فيتدبر الكلام عسى أن يكون قلبه بمعناه فيكون التباكي و التحزين سببا لجمع همّه و فراغ قلبه، لأن المتباكي الصادق مجتمع الهمّ فيما يبكيه و الحزين حاضر القلب مجموع الفكر و مشغول عن سوى مبكيه. من ذلك ما روينا عن ابن عباس إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى