قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٧٥ - الفصل السابع و العشرون فيه كتاب أساس المريدين
يا موسى لا تأكل العروق فإنها مأوى كل نفس و هذا مصدق للحديث الذي روي أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع و العطش. و قد عبر علماء الكوفة عن الدم بالنفس فقالوا: إذا مات في الماء من الهوام ما ليس له نفس سائلة لم ينجس يعنون الخنافس و الصراصر و العناكب، ففي الجوع نقصان الدم و نقصانه ضيق مسلك العدوّ و ضعف مسكن النفس لسقوط مكانها. و في خبر عن عيسى عليه السلام: يا معشر الحواريين جوّعوا بطونكم و عطشوا أكبادكم و أعروا أجسادكم لعل قلوبكم ترى الله عزّ و جلّ يعني بحقيقة الزهد و صفاء القلب. فالجوع مفتاح الزهد و باب الآخرة و فيه ذلّ النفس و استكانتها و ضعفها و انكسارها و في ذلك حياة القلب و صلاحه و أقل ما في الجوع إيثار الصمت و في الصمت السلامة و هي غاية للعقلاء. و قال سهل رحمه الله: اجتمع الخير كله في هذه الأربع خصال، و بها صار الإبدال إبدالا إخماص البطون و الصمت و السهر و الاعتزال عن الناس. و قال: من لم يصبر على الجوع و الضر لم يتحقق بهذا الأمر و كان عبد الواحد بن زيد يحلف باللّه ما تحول الصديقون صديقين إلا بالجوع و السهر فإنه ينير القلب و يجلوه و في استنارته معاينة الغيب و في جلائه صفاء اليقين فتدخل الاستنارة و الجلاء على البياض و الرقة فيصير القلب كأنه كوكب دريّ في مرآة مجلوة و يشهد الغيب بالغيب فيزهد في الفاني لما عاين من الباقي و تقل رغبته في عاجل حظوظ هواه لما أبصر من وبال العقاب و يرغب في الطاعات لمشاهدة الآخرة و رفيع الدرجات فيصير الآجل عاجلا و يكون العاجل غائبا و يصير الغائب حاضرا و الحاضر آفلا يطلبه و يرغب فيه فلا يحب الآفل و لا يبتغيه و يطلب الآجل و يرغب فيه و ينكشف له عوار الدار و يظهر له بواطن الأسرار و يزول عنه كامن الاغترار فهناك صار العبد مؤمنا حقا بوصف حارثة الأنصاري إذ يقول: عزفت نفسي عن الدنيا و كأني أنظر إلى عرش ربي تعالى بارزا و كأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون و إلى أهل النار يتعادون. و كذلك وصف رسول الله صلّى الله عليه و سلم قلب المؤمن في قوله: القلوب أربعة، قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن و انجراد القلب بالزهد في الدنيا و تجرده من الهوى و سراجه الذي يزهر فيه هو نور اليقين به يبصر الغيب. و قال بعض علمائنا: من سهر أربعين ليلة خالصا كوشف بملكوت السماء و كان يقول اجتمع الخير كله في أربع ذكر منها سهر الليل و اعلم أن نوم العلماء عن غلبة المنام بعد طول السهر بالقيام مكاشفة لهم و شهود و تقريب لهم منه و ورود و من صفة الإبدال أن يكون أكلهم فاقة و نومهم غلبة و كلامهم ضرورة و من سهر بالليل لأجل الحبيب لم يخالفه بالنهار فإنه أسهره بالليل في خدمته و دخل الحسن ذات يوم إلى السوق فسمع لغطهم و كثرة كلامهم فقال