قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٧٧ - الفصل السابع و العشرون فيه كتاب أساس المريدين
و قال الضحاك بن مزاحم: أدركتهم و ما يتعلمون إلا الصمت و الورع و هم اليوم يتعلمون الكلام. و قال الحسن عن أنس بن مالك: قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: أربع لا يصبن إلا بعجب الصمت و هو: أول العبادة، و التواضع، و ذكر الله عزّ و جلّ، و قلة الشيء. و قال حماد بن زيد: قلت لأيوب: العلم اليوم أكثر أو فيما مضى؟ فقال: يا بني الكلام اليوم أكثر و العلم فيما مضى كان أكثر و قيل: كانوا ينتفعون بصمت العلم مثل ما ينتفعون بكلامه. و قد قيل: من لم ينتفع بسكوت المتكلم لم ينتفع بكلامه. و قيل لبعض العلماء: فلان أعلم أم فلان؟ فقال فلان أعلم و فلان أكثر كلاما ففرق بين العلم و الكلام. و قيل لبعض علماء خراسان عند وفاته: دلنا على رجل نجلس إليه بعدك فقال لهم: فلان فذكر لهم رجلا صموتا متعبدا لا يعرف بكثير علم فقيل له: إن فلانا ليس عنده من العلم ما يجيب عن كل ما نسأله عنه من العلم فقال: قد علمت. و لكن عنده من الورع ما لا يتكلم بما لا يعلم و كان الأعمش يقول: من الكلام كلام جوابه السكوت. و قال بعض السلف: الصمت زين العالم و ستر الجاهل. و قال غيره: الصمت جوابه و في الخبر: الصمت زين للعالم و شين للجاهل. و قال بعضهم: ليس شيء أشد على الشيطان من عالم حليم إن تكلم تكلم بعلم و إن سكت سكت بحلم. يقول الشيطان: انظروا إليه سكوته أشدّ عليّ من كلامه. و قال بعض السلف: تعلّم الصمت كما تتعلّم الكلام، فإن يكن الكلام يهديك فإن الصمت يقيك و لك في الصمت خصلتان تدفع به جهل من هو أجهل منك و تعلم به علم من هو أعلم منك. و قال بعض العلماء: تعلم لا أدري و لا تتعلم أدري فإن قلت لا أدري علموك حتى تدري و إن قلت أدري سألوك حتى لا تدري. و قد قال العلماء: إذا أخطأ العالم قول أدري أصيبت مقاتله. و قال عيسى عليه السلام: الخير كله في ثلاثة: في الصمت، و الكلام، و النظر، فمن لم يكن صمته تفكرا فهو في سهو، و من لم يكن كلامه ذكرا فهو في لغو، و من لم يكن نظره عبرا فهو في لهو. و قال بعضهم: يأتي على الناس زمان يكون أفضل أعمالهم النوم و أفضل علومهم الصمت يعني لفساد الأعمال و لاشتباه العلم. و يقول أيضا مع ذلك: و أفضل أحوالهم الجوع لانتشار الحرام و غموض الحلال. و قال بعض العلماء: الصمت نوم العقل و النطق يقظته و كل يقظة تحتاج إلى نوم و ما صمت عاقل قط إلا اجتمع عقله و حضر لبه. و في وصية ابن عباس مجاهدا لا تتكلمن فيما لا يعنيك فإنه أسلم و لا آمن عليك الخطأ و لا تتكلّم فيما لا يعنيك حتى ترى له موضعا فرب متكلّم فيما يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعنت. و قال بعض العلماء: يستبين ورع الرجل في منطقه و في الخبر: من كثر كلامه كثر سقطه، و من كثر سقطه مات قلبه. و يقال: إذا قلّ الكلام كثر الصواب. و عن جماعة