قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٧٨ - الفصل السابع و العشرون فيه كتاب أساس المريدين
السلف: إن تسعة أعشار السلامة في الصمت. و يقال: كل كلمة من هزل أو مزح أو لغو يوقف العبد عليها خمس مواقف بتوبيخ و تقرير، أوّلها أن يقال له لم قلت كلمة كذا أ كانت فيما يعنيك؟ و الثانية هل نفعتك إذ قلتها؟ و الثالثة هل ضرتك لو لم تقلها؟ و الرابعة ألا سكت فربحت السلامة من عاقبتها؟ و الخامسة هلا جعلت مكانها قول سبحان الله و الحمد للَّه فغنمت ثوابها. و يقال ما من كلمة إلا و ينشر لها ثلاثة دواوين: الديوان الأوّل لم، و الثاني كيف، و الثالث لمن. فإن نجا من الثلاث و إلا طال وقوفه للحساب. و قال الحسن: لسان المؤمن وراء قلبه إذا أراد أن يتكلم تفكر فإن كان له تكلم و إن كان عليه أمسك، و قلب المنافق على طرف لسانه أي كل شيء خطر بقلبه تكلم به و لا يتوقف و لا ينثني. و في الخبر: من آفة العالم أن يكون الكلام أعجب إليه من الصمت. و في الكلام تنميق و زيادة، و في الصمت سلامة و غنم، و في موعظة النبي صلّى الله عليه و سلم طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس و أنفق الفضل من ماله و أمسك الفضل من قوله. و الأخبار في الصمت و في جميع ما ذكرناه من المعاني تكثر و لم نقصد جمعها و أما الخلوة فإنها تفرغ القلب من الخلق و تجمع الهم بأمر الخالق و تقوّي العزم على الثبات إذ في مخالطة الناس وهن العزم و شتات الهم و ضعف النية و الخلوة تقل الأفكار في عاجل حظوظ النفس لفقد مشاهدتها بالأبصار لأن العين باب القلب و منها يدخل آفاته و عندها توجد شهواته و لذاته. و قد قال بعض العلماء: من كثرت لحظاته دامت حسراته و الخلوة تجلب أفكار الآخرة و تجدد الاهتمام بها لما شهد به الإيقان و تنسي ادّكار العباد و تواصل ذكر المعبود. و الخلوة من أكبر العوافي، و ذلك أنه قد جاء في الحديث: سلوا الله العافية فما أعطي عبد بعد اليقين أفضل من العافية. ثم قد روي في الخبر: العزلة عن الناس عافية. فدخل ذلك في معنى ما ندب إليه من السؤال و فيما فضل بعد اليقين على جميع الأحوال و لا يكون المريد صادقا حتى يجد في الخلوة من اللذة و الحلاوة و المزيد ما لا يجده في الجماعة و يجد في السر من النشاط و القوة ما لا يجده في العلانية و يكون أنسه في الوحدة و روحه في الخلوة و أحسن أعماله في السر. و مثل الخلوة في الأحوال من المخالطة للناس مثل الخوف في المقامات من المحبة. الخوف يصلح لجميع العابدين و المحبة مزيد لأهلها المخصوصين كذلك الخلوة و الانفراد يصلح لجميع المريدين و الأنس بالناس مزيد لأهله خاصة من الأئمة العالمين إلا أن الخلوة تحتاج إلى عقل آخر و الوحدة و الانفراد يحتاج إلى إيمان ثان. و قد روينا عن سفيان الثوري و عن بشر بن الحرث: إذا استوحشت من الوحدة و استأنست بالخلق لم آمن عليك الرياء. و كان أبو محمد يقول: اجتمع الخير كله في هذه