قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٧٩ - الفصل السابع و العشرون فيه كتاب أساس المريدين
الخصال الأربع و بها صار الإبدال إبدالا: إخماص البطون، و الصمت، و اعتزال الخلق، و سهر الليل. و حدثت عن عبد العزيز عن سهل رحمه الله قال: مخالطة الولي للناس ذلّ و تفرّده عزّ و قلّ ما رأيت وليّا للَّه عزّ و جلّ إلا منفردا. و قال بعض العارفين: الأنس بالوحدة علامة وجود الطريق فمن علامة صدق الإرادة بعد صحة التوبة و قوة العزم على الاستقامة إيثار هذه الأربع التي ذكرناه على أضدادها و وجود القلب عندها و انشراح الصدر بها و حسن الخلق معها لأن ضدها هو أبواب الدنيا و مفاتيح الغفلة و طرقات الهوى. من ذلك فإن في الشبع قسوة القلب و ظلمته و في ذلك قوّة صفات النفس و انتشار حظوظها و في قوّتها و بسطها ضعف الإيمان و خمود أنواره و في ضعف النفس و خمود طبعها قوة الإيمان و اتساع شعاع أنوار اليقين و في ذلك قرب العبد من القريب و مجالسته للحبيب و الشبع مفتاح الرغبة في الدنيا. و قال بعض الصحابة: أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلّى الله عليه و سلم الشبع إذ القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم شهواتهم. و روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه و سلم و أصحابه يجوعون من غير إعواز أي مختارين لذلك. و قال ابن عمر: ما شبعت منذ قتل عثمان رضي الله عنه. و قال هذا في زمن الحجاج. و في حديث أبي حجيفة لما تجشأ عند رسول الله صلّى الله عليه و سلم فقال له: «اكفف عنا جشاءك فإن أطولكم شبعا في الدنيا، أكثركم جوعا في الآخرة». فقال: و الله ما تمليت طعاما من يومئذ إلى يومي هذا، و أرجو أن يعصمني الله عزّ و جلّ فيما بقي. و يستحب على هذا أن يكون جوع العبد في الدنيا أكثر من شبعه و هي علامة الأولياء. فمن كان له أكلة بين جوعتين إلى منتهاهما فجوعه حينئذ أكثر من شبعه، و من كان له بعد جوعة بالغة شبعة متوسطة فقد اعتدل شبعه و أكله و جوعه، و من أكل في يوم مرتين أو أكل من غير جوع ثم شبع فشبعه أكثر من جوعه، و هذا مكروه، و كل من أكل بعد الجوع، و رفع يده قبل الشبع فجوعه أكثر من شبعه و هذا أوسط الأحوال. و قال هشام عن الحسن: و الله لقد أدركت أقواما كانوا لا يشبعون يأكل أحدهم حتى إذا رد نفسه أمسك ذائبا ناحلا مقبلا على نية يعيش عمره كله ما طوى له ثوب قط و لا أمر أهله بصنعة طعام قط و لا جعل بينه و بين الأرض شيئا قط. و قال جعفر بن حيان عن الحسن: المؤمن لا يأكل في كل بطنه، و لا تزال وصيته تحت جنبه. و روينا عن الثوري: خصلتان تقسيان القلب، طول الشبع، و كثرة الكلام. و روينا عن مكحول خصال ثلاث يحبها الله عزّ و جلّ و ثلاث يبغضها الله عزّ و جلّ. فأما اللاتي يحبها: فقلة الأكل، و قلة النوم، و قلة الكلام. و أما اللاتي يبغض: فكثرة الأكل، و كثرة الكلام،