قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٨١ - الفصل السابع و العشرون فيه كتاب أساس المريدين
جاهدت في سبيل الله و هاجرت إلى رسول الله صلّى الله عليه و سلم و قتلت شهيدا. طوبى لك الجنة. فقال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: و ما يدريك أنه في الجنة؟ فلعله كان يتكلم فيما لا ينفعه أو يبخل بما لا يضره و في لفظ آخر: لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه و يبخل بما لا يغنيه. و في الخبر: إن بعض الصحابة قال لرجل إنه لنئوم. فقال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: اغتبتم أخاكم سلوه أن يستغفر لكم. و في خبر آخر: إنهم قالوا ما أعجز فلانا فقال: أكلتموه. و في حديث عائشة رضي الله عنها، قالت لامرأة: ما أطول ذيلها و في لفظ آخر قالت: إنها لقصيرة. فقال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: اغتبتها و في خبر آخر: أن رسول الله صلّى الله عليه و سلم قال لها: لقد تكلمت بكلمة لو مزج بها ماء البحر لامتزج، فهذا من وصف المبالغة في الشدة. و في الخبر الجامع لهذه المعاني في وصف الغيبة ما روي عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم: من قال في أخيه ما فيه فقد اغتابه. و في حديث أبان عن أنس عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم: أشد من ذلك أنه قال الغيبة ما إن قلت في أخيك لم تزكه به فهذا نهاية القول من الشدة و غاية التشديد في الغيبة و الغيبة اسم لغوي معناه شرعي مشتق من غيب الإنسان و فسرها رسول الله صلّى الله عليه و سلم أنها أن يقول العبد في أخيه ما فيه و عظمها بقوله هي أشد من الزنا. فمتى قال العبد لأخيه في غيبته ما يعلمه يقينا فيه مما لا يقوله بمحضره أو مما ينقصه به أو لا يزكيه فيه فقد اغتابه. فلو لم يكن في الصمت إلا السلامة من الغيبة لكان ذلك غنيمة موفورة. كيف و قد روي عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم: كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ثلاثة أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله عزّ و جلّ. و أما مخالطة الناس فإنها تضعف العزم الذي كان قويا في أعمال البر و تحل العقد المبرم الذي استوطنه العبد في الخلوة لقلة المتعاونين على البر و التقوى و كثرة المتعاونين على الإثم و العدوان. و في مخالطة الناس قوّة الطلب و الحرص على عاجل الدنيا لما يعاين من إقبال أهلها عليه و فيه الفتور عن الخدمة بالنظر إلى أهل الغفلة و الملل للطاعة بمجالسة أهل البطالة و نقصان حلاوة المعاملة و ذهاب نور العلم و سرعة خروج الوجد بالفهم لاستماع كلام أهل الجهالة و النظر إلى الموتى من أبناء الدنيا كما روي عن عيسى عليه السلام: لا تجالسوا الموتى فتموت قلوبكم. قيل: و من الموتى؟ قال: المحبون للدنيا الراغبون فيها. و قد كان الحسن يقول في قوله عزّ و جلّ: وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَ لا الْأَمْواتُ [فاطر: ٢٢]. قال: الفقراء و الأغنياء كان الفقراء حيوا بذكر الله عزّ و جلّ و الأغنياء ماتوا على الدنيا. و أعظم ما في مخالطة الناس و مجالسة أهل البطالة و ذوي غفلتهم ضعف اليقين برؤيتهم، و أضر ما ابتلي به العبد و أعمله في هلاكه و أشده لحجبه و إبعاده ضعف يقينه بما وعد به بالغيب و توعد عليه في الشهادة و هذا أخوف ما خافه رسول الله صلّى الله عليه و سلم على أمته فيما روينا