قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٨٢ - الفصل السابع و العشرون فيه كتاب أساس المريدين
عنه أنه قال: أخوف ما أخاف على أمتي ضعف اليقين، و ذلك أن ضعف اليقين هو أصل الرغبة في الدنيا و الحرص على التكاثر منها و التضرع إلى أبنائها و الطمع فيهم. كما قال ابن مسعود: إن الرجل ليخرج من بيته و معه دينه فيرجع إلى بيته و ما معه من دينه شيء يلقى هذا فيقول: إنك لذيت و ذيت و يلقى هذا فيقول أنت كيت و كيت و لعله لا يخلى منهم بشيء و يرجع إلى بيته و قد أسخط الله عزّ و جلّ. و قد قال بعض التابعين: إن العبد ليقعد في الخلوة على خصال من الخير فيخرج إلى الناس فيحللون ما عقده عقدة عقدة حتى يرجع و قد انحلت العقد كلها، و قوّة اليقين أصل كل عمل صالح لأن في قوّة يقينه سرعة منقلبه و طول مثواه في دار إقامته إيثار التقلل من الفاني و تقديمه للباقي و ضعف حرصه و قلة طلبه و فقد طمعه و فراغه من الاشتغال بعاجله و إقباله و شغله بما ندب إليه من مستقره. و في جميع ذلك إخلاصه في أعماله و حقيقة زهده في تصرف أحواله و في قصر أمله و تحسين عمله. ألم تسمع إلى وصف من أخبر الله عزّ و جلّ عنه بالتكاثر الذي ألهاه حتى زار برزخه و مثواه كيف تهدده حتى يعلم يقينا و توعده إذا رأى آخرته عيانا فقال سبحانه: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ [التكاثر: ١] أي شغلكم الجمع للمكاثرة حتى حللتم القبور. ثم قال: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ [التكاثر: ٥] أي لشغلكم العمل الصالح للآخرة عن اللعب و اللهو الذي هو مقتضى الشك إذ هو ضد اليقين فاشتغلتم بالآخرة عن التكاثر من الدنيا كما شغلكم التكاثر باللهو و اللعب لعدم علم اليقين. كما قال: أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة: ١٢] بعد أن قال: بَلْ هُمْ في شَكٍّ يَلْعَبُونَ [الدخان: ٩] ثم توعدهم على ذلك مرتين و تهددهم بالسؤال عن النعيم الذي شغلهم و هو التكاثر في فضول العاجل و قيل: هو الجمع و المنع. فاعلم أن الذي قطع العباد عن التوبة و عرج بالتائبين عن الاستقامة ثلاثة أشياء: الكسب، و الإنفاق، و الجمع. و هذه الأسباب متعلقة بالخلق و موجودة بوجودهم و مفقودة بالانفراد عنهم فمن زهد في هذه الثلاثة فقد زهد في الخلق و من رغب في الخلق فقد رغب في هذه الثلاث. و قال الثوري: من خالط الناس داراهم و من داراهم راءاهم و من راءاهم وقع فيما وقعوا فهلك كما هلكوا. و قد قال بعض هذه الطائفة من الصالحين: قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق: كيف الطريق إلى التحقيق؟ و قال مرة قلت له دلني على عمل أعمله أجد فيه قلبي مع الله تعالى في كل وقت مع الدوام فقال: لا تنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة قلت: لا بدّ لي من ذلك. قال فلا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة قلت لا بدّ لي من ذلك. قال فلا تعاملهم فإن معاملتهم وحشة. قلت: أنا بين أظهرهم لا بدّ من معاملتهم. قال: فلا تسكن إليهم فإن