قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٢٢ - الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب و صفة القلب و تمثيله بالأنوار و الجواهر
و تطوع لقدرته فتنفذ قدرته إرادته تظهر حكمته أفعاله إذا أراد شيئا قال له: كن بخفي قدرته فكان بظاهر حكمته. و الرب سبحانه قادر على كل شيء. بيده ملكوت كل شيء حكيم في كل شيء. و العبد ضعيف عاجز جاهل لا يقدر على شيء قد ابتلي بالأسباب و وقع عليه الحجاب و جعل مكانا للأحكام بالعقاب و الثواب فالأسباب أواسط البلاء و العبد موضع الابتلاء. و الأوّل سبحانه و تعالى هو المبلي المريد المبدئ المعيد و ينشئكم فيما لا تعلمون و ليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا و ليس يشهد العبد إلا ما أشهد فكذلك تفاوت العباد في المشاهدة و لا يستبين له إلا ما أبين له و أريد به فعند ذلك اختلفوا في الأدلة فإذا أراد الله عزّ و جلّ إظهار شيء من خزائن الغيب حرك النفس بلطيف القدرة فتحركت بإذنه فقدح من جوهرها بحركتها ظلمة تكتب في القلب همة سوء فينظر العدوّ إلى القلب و هو مراصد ينتظر و القلوب له مبسوطة و النفوس لديه منشورة يرى ما فيها ما كان من عمله المبتلى به المصرف فيه فإذا رأى همة قد قدحت في النفس فأثرت ظلمة في القلب ظهر مكانه فقوي بذلك سلطانه و الهمة ترد على أحد ثلاث معان لا تحصى فروعها لأن همة كل عبد على قدر بغيته أحدهما هوى و هو عاجل حظ النفس أو أمنيته و هذا عن الجهل الغريزي أو دعوى حركة أو سكون و هو آفة العقل و محبة القلب. فأي هذه الثلاث قدح في القلب فهو وسوسة نفس و حضور عدوّ منسوب إليه محكوم عليه بالذم ليست تصدر إلا بأحد ثلاثة أصول بجهل، أو غفلة، أو طلب فضول دنيا. و هن مما لا يعني و مضافات إلى الدنيا و أعمالها. و الأفضل مجاهدة النفس و العدوّ عن إمضائها و حبس الجوارح عن السعي فيها إن كنّ من فضول الدنيا المباحات فإن كنّ هذه الثلاث و ردن بمحرّمات ففرض عليه كفّ الجوارح عن السعي فيها فإن أمرح قلبه في ذكرها أو نشر خطواته في طلبها كن حجابا بين قلبه و بين اليقين و إن كنّ وردن بمباحات ففضل له بنفيها عن قلبه كيلا يكون قلبه موطنا للغفلات و أصلهن الابتلاء من الله تعالى بالتقليب و الامتحان منه في التصريف و لذلك خلق النفس و الروح و الموت و الحياة و جعل ما على الأرض زينة لها ليظهر أحسن العمل بالزهد فيها و ينظر كيف تعملون فإذا أراد الله تعالى سلامة هذا العبد بعد أن أشرف على الهلاك و البعد بتسليط العدوّ عليه و تسويل النفس له نظر القلب عند الابتلاء فهدى النفس بنور إيمانه إلى الله تعالى فأسر الالتجاء إليه و أخفى التوكل عليه عائذا لائذا به و اضطر مخلصا له فهناك توكل عليه فكان حسبه و عندها فوّض إليه أمره فوقاه مكر عدوّه و حينئذ اضطر إليه و اتقاه