قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٩٢ - شرح مقام الرجاء و وصف الراجين و هو الرابع من مقامات اليقين
فقال: و ما حدثت عني؟ فقلت: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس بن مالك عن نبيّك صلّى الله عليه و سلم عنك أنك قلت: تباركت و تعاليت أنا عند ظنّ عبدي بي فليظن بي ما شاء، و قد كنت أظنّ بك أن لا تعذّبني. فقال عزّ و جلّ: صدق نبيي و صدق أنس صدق الزهري و صدق معمر و صدق عبد الرزاق و صدقت. قال: فغلفت و خلع عليّ و ألبست و مشى بين يدي الولدان إلى الجنة فقلت يا لها من فرحة. و في الخبر: أن رجلا من بني إسرائيل كان يشدد على الناس و يقنطهم من رحمة الله تعالى فيقول الله تعالى له يوم القيامة: اليوم أؤيسك من رحمتي كما كنت تقنط عبادي منها. و في الحديث: أن رجلين تواخيا في الله تعالى من بني إسرائيل فكان أحدهما عابدا و الآخر مسرفا على نفسه، فكان هذا العابد ينهاه و يزجره فيقول له: دعني و ربي أ بعثت عليّ رقيبا؟ حتى رآه ذات يوم على كبيرة فغضب فقال: لا يغفر الله لك قال: فيقول الله تعالى له يوم القيامة: أ تستطيع أن تحظر رحمتي على عبادي اذهب فقد غفرت لك، ثم قال للعابد: و أنت فقد أوجبت لك النار. قال: فو الذي نفسي بيده لقد تكلم بكلمة أهلكت دنياه و آخرته. و روينا في معناه أن لصّا كان يقطع الطريق أربعين سنة في بني إسرائيل فمرّ عليه عيسى عليه السلام و خلفه عابد من عباد بني إسرائيل من الحواريين فقال للصّ في نفسه: هذا نبي الله يمرّ و إلى جنبه حواريه لو نزلت فكنت معهما ثالثا. قال: فنزل فجعل يريد أن يدنو من الحواري و يزدري نفسه تعظيما للحواري و يقول في نفسه: مثلي لا يمشي إلى جنب هذا العابد قال و أحس به الحواري فقال في نفسه: هذا يمشي إلى جانبي قال: فضمّ نفسه و تقدم إلى عيسى عليه السلام فمشى إلى جانبه فبقي اللصّ خلفه. قال: فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: قل لهما يستأنفان العمل فقد أحبطت ما سلف من أعمالهما، أما الحواري فقد أحبطت حسناته لعجبه بنفسه و أما الآخر فقد أحبطت سيئاته بما ازدرى على نفسه قال: فأخبرهما بذلك و ضمّ اللص إليه سياحته و جعله من حواريه. و روينا عن مسروق بن الأجدع: إن نبيّا من الأنبياء كان ساجدا فوطئ بعض العتاة على عنقه حتى الزق الحصى بجبهته قال: فرفع النبي عليه السلام رأسه مغضبا فقال: اذهب فلن يغفر الله قال: فأوحى الله تعالى إليه تتألى عليّ في عبادي أني قد غفرت له. قال ابن عباس رضي الله عنه كان رسول الله صلّى الله عليه و سلم يقنت يدعو على المشركين و يلعنهم في صلاته فنزلت ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم إلي قوله: لَيْسَ لَكَ من الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ [آل عمران: ١٢٨] قال: فترك الدعاء عليهم. قال: فهدى الله تعالى عامة أولئك الإسلام».