قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٥٥ - ذكر الأوراد و ما يرجى بها من الازدياد
يصبح صائما ثم يفطر و يصبح مفطرا ثم يصوم و في الخبر الآخر: كان يدخل من الضحى فيقول: هل عندكم من شيء؟ فإن قدم إليه شيء أكل و إلا قال إني صائم و خرج يوما فقال إني صائم ثم دخل. فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حيس فقال: أما إني كنت أردت الصوم و لكن قريبه و كان ورده صلّى الله عليه و سلم حكم ما ورد عليه فعن هذا المعدن يكون تصريف العارفين و من هذا المعنى تكون مشاهدة الموقنين ليسوا مع الله بإيراد توقيت و لا يقطع على تحديد كما قيل لبعضهم بأي شيء عرفت الله عزّ و جلّ؟ فقال: بفسخ العزائم و حلّ العقد و لكن الأوراد طريق العمال و الوظف أحوال العباد منها دخلوا و فيها يرفعون إلى أن يشهدوا الواحد فتكون الأوراد كلها وردا واحدا و يكونون بشهادتهم قائمين. قال بعض العلماء من السلف الإيمان ثلاثمائة خلق و ثلاثة عشر على أعداد الأنبياء المرسلين كل مؤمن على خلق منها هو طريقه إلى الله عزّ و جلّ و وجهته من الله عزّ و جلّ و نصيبه و في كل طريقه من المؤمنين طبقة و بعضهم أعلى مقاما من بعض. و قال عالم آخر الطرق إلى الله عزّ و جلّ بعدد المؤمنين. و قال بعض العارفين: الطرق إلى الله بعدد الخليقة يعني أن للشهيد بكل خلق طريقا فقد صارت المكوّنات للمكوّن طرقات. و روينا في الخبر: الإيمان ثلاثمائة و ثلاثة و ثلاثون طريقة من لقي الله عزّ و جلّ بالشهادة على طريقة منها دخل الجنة. و من هذا قوله عزّ و جلّ: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا [الإسراء: ٨٤]. فدل أنهم كلهم مهتدون و بعضهم أهدى من بعض بمعنى أنه أقرب إلى الله عزّ و جلّ و أفضل. و قد ندب إلى القرب في الأمر بطلبه و أخبر عن المقربين بالمنافسة في طلب القرب. فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة: ٣٥] يعني القرب. و قال تعالى فيما أخبر: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الاسراء: ٥٧] فأقرب الخلق من الله عزّ و جلّ أعلاهم عند الله عزّ و جلّ و أعلاهم عنده أعرفهم به و أفضلهم لديه و روينا في التفسير: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [الإسراء: ٨٤]. قال: على وحدانيته، يعني بذلك على توحيده الذي يوحد الله عزّ و جلّ به و يعرفه منه، و الشاكلة الطريقة و الخلق قد شاكله و قد شكل فيه و من ذلك قول علي رضي الله عنه: لكل مؤمن سيد من عمله فهذا السيد من العمل هو الذي يرجو به المؤمن النجاة و يفضل به عند مولاه. و قال بعض العلماء: كان عباد الكوفة أربعة، أحدهم صاحب ليل و لم يكن صاحب نهار، و الآخر صاحب نهار و لم يكن صاحب ليل، و بعضهم صاحب سر و لم يكن صاحب علانية، و الآخر صاحب علانية و لم يكن صاحب سر. و قد كان بعضهم يفضل عبادة النهار