قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٥٨ - الفصل الخامس و العشرون في ذكر تعريف النفس و تصريف مواجيد العارفين
شربته و أن الله غفر لي. قالت: و لم؟ قال: لا أحب أن أنال مغفرته بمعصيته. فجملة وصف النفس معنيان، الطيش و الشره. فالطيش عن الجهل و الشره عن الحرص، و هما فطرة النفس فمثلها في الطيش كمثل كرة أو جوزة في مكان أملس مصوّب سكونها بالمنة فإن أشرت إليها أو حركتها أدنى حركة تحركت بوصفها و هو خفتها و استدارتها و صورتها في الشره المتولدة من الحرص. إنها على صورة الفراشة إنها تقع في النار جاهلة شرهة تطلب بجهلها الضوء و فيه هلاكها فإذا وصلت إلى شيء منه لم تقتنع بيسيره لشرهها فتحرص على الغاية منه و تطلب عين الضوء و جملته و هو نفس المصباح فتحرق، و لو قنعت بقليل الضوء عن بعد سلمت فكذلك النفس في طيشها الذي يتولد من العجلة و في شرهها الذي ينتج من الحرص و الطمع. و الحرص و الطمع هما اللذان كانا سبب إخراج آدم عليه السلام من الجنة لأنه طمع في الخلود فحرص على الأكل و كان ذلك عن الجهل. فكانت معصيته سبب عمارة الدنيا فصارت الطاعة سبب عمارة الآخرة، فلذلك قيل: حب الدنيا رأس كل خطيئة فصار الزهد أصل كل طاعة. فانظر كيف أخرج من الجنة بعد أن جعل فيها بذنب واحد و أنت تريد أن تدخلها و لم تملك النظر إليها بذنوب كثيرة. و في الحديث الآخر: الإيمان عريان فلباسه التقوى و زينته الحياء و ثمرته العلم، من ثم قيل: إن الجنة طيبة لا يسكنها إلا الطيب فمتى طابوا لها دخلوها. ألم تسمع إلى وفاته بين ذلك في قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ. [النحل: ٣٢]. و قال تعالى: وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ. [الزمر: ٧٣] لأنه قال: وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنَّاتِ عَدْنٍ [التوبة: ٧٢] و الذنوب خبائث كما قال: وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [الأعراف: ١٥٧] فلما طابوا لها طابت لهم و قد أجمل ذلك بقوله تعالى: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ [النور: ٢٦] و بقوله: وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ [النور: ٢٦]. و قد مثل بعضهم النفس في شرهها بمثل ذباب مرّ على رغيف عليه عسل فوقع فيه يطلب الكلية فعلق بجناحه فقتله و آخر مر به فدنا من بعضه فنال حاجته فرجع إلى ورائه سالما و قد مثل بعض الحكماء ابن آدم مثل دود القز لا يزال ينسج على نفسه لجهله حتى لا يكون له مخلص فيقتل نفسه و يصير القز لغيره و ربما قتلوه إذا فرغ من نسيجه لأن القز يلتف عليه فيروم الخروج منه فيشمس و ربما غمزوه بالأيدي حتى يموت لئلا يقطع القز و ليخرج القز صحيحا، فهذه صورة المكتسب الجاهل الذي أهلكه أهله و ماله فتنعم ورثته بما شقي به فإن أطاعوا به كان أجره لهم و حسابه عليه و إن عصوا به كان شريكهم في المعصية لأنه أكسبهم إياها به فلا يدري أي الحسرتين عليه أعظم إذهابه عمره لغيره أو